بيان جمعية العمل الاسلامي في الذكرى الثامنة والثلاثين لإستقلال البحرين

بسم الله الرحمن الرحيم

بيان جمعية العمل الاسلامي
في الذكرى الثامنة والثلاثين لإستقلال البحرين:
لا تزال الديمقراطية بعيدة والإرادة الشعبية مغيبة والإستقلال ناقصاً!!


تشكل مناسبات الإستقلال لدى الشعوب نقطة فاصلة في مسيرتها الوطنية، إنها مرحلة مهمة من السيادة وإمتلاك القرار الذاتي حيث الإنتقال من مراحل إرتهان الشعوب وإرادتها ومصيرها وقراراتها وسياساتها والسيطرة على ثرواتها ومقدراتها لمصلحة الدول المستعمرة والقوى الخارجية ووكلائها، إلى مرحلة السيادة الوطنية للشعوب على قراراتها وسياساتها وثرواتها وتقرير مستقبلها وسياساتها الداخلية والخارجية.

في 14 أغسطس من كل عام تمر ذكرى غالية على قلوبنا: مناسبة استقلال البحرين عن المستعمر البريطاني بعد حوالي أكثر من قرن ونصف من الإستعمار والإنتداب البريطاني المقيت والسيطرة واتفاقات التبعية غير الشرعية التي وقعتها الحكومة آنذاك مع الإنتداب البريطاني للحصول على مصالح وإمتيازات أكبر وأسهل.

في 14 أغسطس من عام 1971 م أعلن البريطانيون استقلال الجزيرة بعد أكثر من قرن ونصف من الإتفاقيات المجحفة التي رهنت البحرين للتاج البريطاني مقابل الحماية والتمكين لبعض مشيخات القبائل التي ارتبط وجودها بوجود الإنتداب البريطاني من خلال حمايته لها وتوفير الدعم الإداري وإدارة علاقاتها السياسية الأقليمية والخارجية مع الدول الأخرى التي تقع تحت سيطرته وانتدابه أيضا مقابل إقرارها وإعترافها بمصالحه وسيطرته على البحرين وأبنائها وثرواتها وأراضيها وحدودها.

في 14 أغسطس أعلن البريطانيون استقلال أرض وشعب البحرين الضاربة جذوره التاريخية العميقة والقديمة في العروبة والإسلام والحضارة منذ دخول أبنائه وقبائله من بني ربيعة وبني عبد القيس في الإسلام طواعية، وإعلانهم الولاء لله ولرسوله، وعلى آثارهم سار أبناؤهم وأحفادهم من أبناء هذا الشعب وعلى هذا المنوال واستمرت مسيرتهم رغم الأطماع والمحن الكثيرة التي تعرض لها أبناء الجزيرة على أيدي الغزاة والوافدين والطامعين والمستعمرين القادمين من الخارج.

اليوم وبعد 38 عاما من رحيل الإنتداب البريطاني عن الجزيرة يحق لنا أن نتسائل: هل حقق شعب البحرين طموحاته وتطلعاته؟ هل حصل شعب البحرين على كامل حقوقه في قراره السياسي؟ وهل حصل على كامل حقوقه في إدارة شئونه وثرواته ومكتسباته بنفسه؟ وهل أصبح الشعب مصدر السلطات جميعاً كما ينص دستور البلاد؟ وهل امتلك نظاما سياسيا يمكن أن يعبر عن إرادة أبنائه وخياراتهم بطريقة سلمية وديمقراطية عادلة؟!!

بعد 38 عام من الاستقلال تبدوا الإجابة مخيبة للآمال بدرجة كبيرة جدا، فمنذ القيام الرسمي للدولة عام 1971م مباشرة بعد رحيل البريطانيين وحتى الإعلان عن تحولها إلى ملكية دستورية لاحقا، لا يزال شعب البحرين بعيدا عن ممارسة شراكة حقيقية في الحكم وبعيدا عن الحصول على العدالة الإجتماعية وبعيدا عن تحقيق التوزيع العادل للثروة، ولا تزال البلاد تدار على طريقة الممتلكات الخاصة وليس على طريقة الدول الديمقراطية، فثروات البلاد تتم محاصصتها وتوزيعها بين مراكز السلطة والنفوذ بعيدا عن الشعب وحقوقه فيها ورقابته عليها وسط تراكم كبير لأزمات المعيشة والإسكان والوظائف والخدمات جراء الفساد الإداري المستشري والتخبط في الإدارة الإقتصادية وزيادة وتيرة التجنيس للأجانب والوافدين الذين يتم جلبهم لحساب السلطة وأجندتها للحفاظ على مصالحها، حتى أصبحوا يمثلون كارثة على إقتصاد البحرين وأمنه، فميزانية الخدمات والإسكان والتعليم والصحة أصبح المواطنون هماً ثانويا فيها جراء تفضيل أولئك المجنسون والمرتزقة الذين جلبوا لأهداف سياسية لا تخفى على لبيب، وعلى رأسها التهرب عن الوفاء باستحقاقات الإصلاح السياسي والوطني وتفضيلها توظيف المرتزقة والأجانب ليقوموا بدور الحامي للسلطة التي تغدق عليهم المال والمكاسب والإميتازات التي لم يكونوا يحلمون بها في بلادهم.

بعد 38عاما، لم يستطع شعب البحرين الحصول على دستور عقدي يعبر عن إرادته وينظم علاقته بالسلطة الحاكمة ويشرع ويقنن رقابته لها، ويطوى من خلاله حقبة الإستعمار والإستئثار والإستبداد، ويرمم التصدعات والجراحات التي خلفتها حقبة أمن الدولة - حقبة التعذيب والقتل والإعتداء على المساجد والحسينيات والمقدسات والبيوت والمنازل وإنتهاك الحرمات وتكميم الأفواه ومصادرة الحقوق - عبر إنصاف الشهداء وضحايا التعذيب والإعتقال والنفي القسري والمنع من العودة للوطن، وعبر إبعاد عصابات الفساد والطائفية والقمع عن مراكز القرار في الدولة.
ويطوى من خلاله أيضا حالات التمييز الطائفي في الوظائف والبعثات والخدمات، ويكون فيه المواطنون سواسية بإخلاصهم وكفائتهم للوطن فحسب حتى تعود كافة السلطات والثروات والإرادة المفقودة.

جمعية العمل الاسلامي تعتبر – بعد 38 عاماً من إستقلال البحرين - أن الديمقراطية لا تزال بعيدة، والإرادة الشعبية مغيبة، والإستقلال ناقص!! فمتى يتحقق الإستقلال كاملاً وينعم المواطنون بخيرات الوطن ومكتساباته؟!!


جمعية العمل الإسلامي
الإثنين 10/8/2009م
الموافق 18 شعبان 1430هـ
( الخاتمة )

- ما أشبه الليلة بالبارحة :

برغم العمق التاريخي للحركة المطلبية في البحرين فقد بقيت الأمور حتى الانتهاء من هذا الكتاب على ما هي عليه في بداية العشرينات . وبرغم الإصلاحات الإدارية التي فرضها المعتمد السياسي في البحرين : الميجر ديلي في العام 1923 على الحاكم المعزول آنذاك ، الشيخ عيسى بن علي آل خليفة ، فقد استمر النظام على أساس العقلية القبلية ولم تنجح المحاولات على مدى السبعين عاما ً الماضية في إحداث تغيير جوهري في طبيعته . وفيما عدا فترة قصيرة ما بين ديسمبر 1972 وأغسطس 1975 وهي الفترة التي شهدت المجلسين : التأسيسي والوطني ، فقد بقيت الأوضاع في توتر دائم وتراجع سياسي حال دون تقدم ملموس في العلاقة بين الحاكم والمحكومين . وما تمر به البحرين اليوم من مخاض عسير لإقامة نظام سياسي يتميز بشيء من العصرنة والتمدن مؤشر على استمرار حالة التوتر التي لم تبدأ مع العريضة الشعبية التي وقعها 25 ألف مواطن في العام 1994 بل سبقتها بسبعين عاما ً .
ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه . فهناك أطروحات حكومية بتقسيم البحرين إلى أربع محافظات يحكم كلا ً منها شخص من آل خليفة أو من إحدى المؤسستين العسكرية أو الأمنية . وهي عودة إلى وضع شبيه كثيرا بالوضع الذي كان سائدا ً في فترة ما قبل العام 1923 حيث الإصلاحات الإدارية . وقتها كان الحاكم آنذاك الشيخ عيسى بن علي رمزيا ً يحث كانت زوجته تمارس تأثيرا ً مباشرا ً على قراراته ، فيما كان أقاربه من آل خليفة يسيطرون على مناطق البحرين . فكل واحد منهم يفرض ضرائبه الخاصة على المواطنين في تلك المنطقة وله شرطته الخاصة ( الفداوية ) ومجلسه الخاص ومحكمته الخاصة . وكان على البحارنه أن يخضعوا لأوامره ولا يناقشوه في شيء من قراراته .
وكانت حالة الشعوائية هذه هي التي أدت في النهاية إلى انتفاضة البحارنه في العام 1922 لاستعادة قدر من الحقوق السياسية والمدنية . وتطلب التغيير الذي فرضه الميجر ديلي آنذاك الكثير من التضحيات والعمل المتواصل ، فقد سقط القتلى من البحارنه على أيدي المسلحين من قبيلة الدواسر في اعتداءاتهم الليلية على المناطق التي يقطنونها مثل عالي وبني جمرة وباربار وسترة . وكتبت العرائض الكثيرة ابتداءً بالعريضة التي قدمت للمعتمد السياسي في المنامة أو المقيم السياسي في بوشهر . كما أن لجوء العديد من البحارنه إلى مبنى المعتمدية فرارا ً من مطاردات فداوية الشيوخ كان من بين العوامل التي دفعت حكومة الهند البريطانية لفرض التغيير . ومن هنا فقد كان مجيء الشيخ حمد بن عيسى خطوة على طريق إنشاء السلطة المركزية التي توحدت فيها الضرائب والمحاكم وقوات الأمن الداخلي . ويبدو أن تقسيم البحرين إلى محافظات الذي طرحته الحكومة مؤخرا ً يهدف لإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل ثلاثة أرباع القرن .
يضاف إلى ذلك أن ما تم تحقيقه على مدى الخمسين عاما ً اللاحقة مثل الانتخابات البلدية وانتخابات المجلس التأسيسي والوطني ، قد ذهب أدراج الرياح وعادت الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الإصلاحات . غير أن ما يجري في البحرين هذه الأيام حيث الانتفاضة الشعبية العارمة يؤكد أن الوضع الداخلي لن يستقر ما لم يكن هناك تغيير حقيقي ليس في البنية السياسية بل في العقلية الحاكمة ، فلم يعد مقبولا ً التعاطي مع شؤون المجتمع ، والعالم يودع القرن العشرين ويستقبل قرنا ً جديدا ً ، بالعقلية التي كانت تسود في مطلع القرن المنصرم . وقد أكدت الانتفاضات الشعبية التي شهدتها البحرين على مدى السبعين عاما ً الماضية وجود رغبة حقيقية في التغيير وهي رغبة طالما قمعتها الحكومة معتقدة أنها سوف تنتهي بالقمع والقتل والتشريد .
وما أشبه الليلة بالبارحة ! فما تزال أساليب القمع التي اتبعت في السابق لمواجهة التحركات الشعبية تستخدم بحذافيرها ويزيد عليها ما توفره خبرة الضابط البريطاني ، أيان هندرسون ، التي اكتسبها على مدى أكثر من نصف قرن منذ تصديه لثوار الماو ماو في كينيا . وإذا كان سلفه المستشار تشارلز بلغريف قد لجأ لسياسة الإبعاد كمخرج من الأزمات التي واجهت آل خليفة فإن هندرسون يمارس السياسة نفسها منذ أن جاء إلى البحرين قبل ثلاثين عاما ً . وإذا كان إبعاد قادة هيئة الاتحاد الوطني في الخمسينات إلى جزيرة نائية في المحيط الأطلسي ( سانت هيلانة ) فإن الناشطين في حركة المعارضة قد منعوا من العودة إلى وطنهم منذ تعليق العمل بالدستور في العام 1975 ، ومنع من عاد منهم إلى البلاد من دخولها .
بل إن هندرسون سار على خطى بلجريف عندما أبعد العلماء المتصدين للعمل الشعبي في مطلع العام 1995 بعد انطلاقة الانتفاضة الشعبية وما تزال سياسة الإبعاد هذه ظاهرة مقتصرة على البحرين ، حتى أن مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة تحيرت حول كيفية إدراج سياسة الإبعاد تحت أي بند من بنودها المختصة بانتهاكات حقوق الإنسان في العالم . إذ ليس هناك بلد يطرد مواطنيه ، الأمر الذي لم يتطلب في السابق الاهتمام بقضية الإبعاد . كما أن سياسة إطلاق النار على المتظاهرين المسالمين تمارس اليوم على نطاق واسع معيدة إلى الأذهان حوادث إطلاق النار على المسيرات والاعتصامات السلمية في الخمسينات والستينات .
ولكن تطورت سياسة القمع في عهد هندرسون لتشمل التعذيب حتى الموت واعتقال النساء والأطفال والاعتداء على الحرمات ، وهو تطور خطير يعكس مدى ما يمكن أن يقوم به جهاز الأمن في مواجهته لحركات الإصلاح . وقد بقي مطلب شعب البحرين الأساسي منذ الثلاثينات متمثلا ً بانتخاب مجلس تشريعي . وقد تحقق هذا المطلب في السبعينات قبل أن يلغيه الأمير لتعود الأوضاع إلى المزيد من التوتر والإضطراب . وكما هو واضح فقد أكدت الانتفاضة الشعبية المستمرة حتى صدور هذا الكتاب المطالب المشروعة والتاريخية للشعب وهي انتخاب مجلس تشريعي طبقا ً لدستور البلاد وإطلاق سراح السجناء السياسيين والسماح بعودة المبعدين ، وهي مطالب جديدة – قديمة . ومع مواجهتها من قبل الحكومة تجاوزت أساليب القمع التي كان المستشار بلغريف يمارسها ضد المواطنين ، فإن العقلية القبلية التي تحكم البلاد بقيت على ما هي عليه ولم تتطور مع ما يشهده العالم من تطورات في التوجهات وأنظمة الحكم ، ويدرك المتابعون لشؤون البحرين خلال نصف القرن الماضي أن الوضع لن يستقر ما لم يكن هناك تغيير حقيقي في العقلية التي تحكم البلاد باتجاه الاعتراف بوجود ضرورة للتغيير السياسي خصوصا ً مع النمو النوعي والكمي في مستوى الثقافة والوعي ووسائل التعبير الشعبي .
وإذا كانت العائدات النفطية التي شهدتها مرحلة ما بعد المجلس قد ساهمت في تأجيل انفجار المشكلة السياسية فإن تراجع تلك العائدات بسبب قرب موعد نضوب النفط في البحرين من جهة أخرى قد كشف الوضع الصعب على حقيقته ودفع بالأوضاع إلى المواجهة بني الطرفين : الشعب الذي يطالب بالمجلس التشريعي طبقا ً للدستور والحكومة الرافضة للتطوير السياسي . ويبدو هندرسون الرجل القوي في المعادلة السياسية كلها تماما ً كما كان سلفه : تشارلز بلجريف . ولكن برغم السياسات القمع فإن هناك قناعة لدى المراقبين ، سواء الدبلوماسيين الذين عرفوا المنطقة أو الإعلاميين الذين اهتموا بما يجري في البلاد بأن التغيير قادم لا محالة وأن محاولات تأجيله لن تفلح في منع حدوثه .

وقد أكدت فصول هذا الكتاب أن الرغبة في الإصلاح السياسي وتطوير النظام والمشاركة الشعبية في إدارة البلاد وصنع القرار السياسي دفعت شعب البحرين إلى التضامن على مر العقود ومواجهة سياسات التهميش التي تنتهجها الحكومة . وإذا كانت حكومة آل خليفة قد نجحت أحيانا ً في إثارة المسألة الطائفية كدرع بوجه المطالب الشعبية بالتغيير فإن مشروعها الطائفي لم ينجح وذلك بسبب وعي القائمين على الحركات المعارضة .
وقد اتسمت كل الانتفاضات في 1938 و 54 – 1956 و 1965 وأخيرا الانتفاضة التي لا تزال مستمرة بوحدة وطنية متميزة جعلت الحكومة في موقع ضعيف وأفشلت مخططاتها الطائفية . ويبدو أن محاولاتها في الوقت الحاضر لتمزيق الصف الوطني بالغريب والترهيب لم تفلح في إحداث الشرخ الذي يعتقد الكثيرون أن الأوضاع هذه المرة تغيرت كثيرا ً لغير صالح الحكومة خصوصا ً وأن المنطقة برمتها تشهد تحركات مطالبة بالإصلاح السياسي وأن مطالب قادة الانتفاضة المعتقلين دفعت المنظمات الدولية للاحتجاج عليها . وعليه فإن نسق الحركة المعارضة على مدى سبعين عاما ً يوحي بأن استقرار البحرين في مرحلة ما بعد النفط ( وهي مرحلة بعيدة ، بل بدأت فعلا ً ) يقتضي إجراء إصلاحات سياسية عاجلة إذا أراد آل خليفة الاستمرار في الحكم .
ويرى البعض أن مجال المناورة المتاح للحكومة لتجاوز المطالب الشعبية يضيق يوما بعد آخر ، وأن الحكم العائلي مهدد بالسقوط في حال استمرار التوتر الأمني بالوتيرة التي هو عليه الآن . ومن يقرأ تاريخ البحرين المعاصر كما هو مدون في هذا الكتاب سوف يدرك أن الحركة الجارية هذه الأيام هي الأطول فترة والأوفى نصيبا ً لتحقيق المطالب التي طرحتها الانتفاضات الشعبية في العقود المنصرمة .


( ملاحق الكتاب )

ملاحظة هامة : وجدت أن الملاحق جدا كثيرا .. لهذا آثرت الأقتصار على بضعة نماذج من كل ملحق ..

ملحق (1) : بعض الاتفافيات والرسائل المتبادلة بين الحاكم والإنجليز
( الفصل التاسع )

* الانسحاب البريطاني من البحرين :

في فبراير 1966 أعلن وزير الدفاع البريطاني آنذاك ، دينيس هيلي عن مراجعة شاملة لسياسة الدفاع البريطانية تستهدف خفض الالتزامات العسكرية البريطانية خارج أوربا وخصوصا ً شرقي السويس . وأعلن أن بريطانيا ستنسحب من عدن مع نهاية عام 1968 . واعتبر ذلك الإعلان تخليا ً عن الالتزامات البريطانية التاريخية تجاه الأنظمة الصديقة لها ولا شك أن قرار الانسحاب كانت له أصداؤه الطيبة في نفوس المواطنين الذين ناضلوا ضد الوجود البريطاني سنوات عديدة . وكان قد سبق القرار البريطاني اتفاق بين جمال عبد الناصر والملك فيصل بن عبد العزيز في جدة في أغسطس 1965 استطاع عبد الناصر بموجبه تخفيض عدد القوات المصرية في اليمن من 70000 في ذروة الأحداث خلال خريف 1965 إلى 20000 جندي في مايو 1966 ، وخفت عن كاهله النفقات التي يتطلبها وجود العدد الهائل من القوات في اليمن . وبعد صدور القرار البريطاني استغل عبد الناصر ذلك وأعلن أن قواته ستبقى في اليمن خمس سنوات لضمان " تحرير الجنوب العربي " وكانت سياسته آنذاك تتمثل بانتظار الانسحاب وتحريك العمل العسكري للتعجيل به (1) .
ولكن جاءت هزيمة 67 لتضع نهاية للنفوذ المصري في اليمن وخصوصا ً بعد أن أبدت كل من السعودية والكويت وليبيا استعدادها لتقديم المساعدات المادية لمصر لإنقاذها من تبعات الهزيمة على الصعيد الاقتصادي ، وجاء إعلان المساعدات في القمة العربية بالخرطوم في أغسطس 1967 ورغم ذلك كان القرار البريطاني بالانسحاب من عدن والجنوب العربي غير قابل للتغيير، وفي الشهور التي أعقبت هزيمة 67 ، ورغم تضاؤل الدور المصري في إمداد جبهة التحرير الوطنية بالسلاح ، فقد استمرت الأعمال العسكري ضد الوجود البريطاني وضد جيش اتحاد الجنود العربي ، وبعد تطورات كثيرة على الساحتين المحلية والدولية ، انسحب البريطانيون في نوفمبر 67 حيث رحل آخر جندي منها في التاسع والعشرين من ذلك الشهر ، واستلمت الجبهة القومية لتحرير اليمن الجنوبي بقيادة قحطان الشعبي زمام الأمور في عدن .
في 30 أكتوبر 67 وهو اليوم الذي أكد فيه مجلس الوزراء البريطاني قرار الانسحاب من عدن في الشهر التالي ، ذهب الوزير بوزارة الخارجية غورنوي روبرتس إلى دول الخليج ليخبرهم بقرار الانسحاب من عدن وبأن الحكومة البريطانية لا تعتزم التخلي عن التزاماتها في الخليج ، وإن قرار الانسحاب إنما هو من أجل توفير الأموال لدعم الوجود البريطاني في الخليج بشكل أكبر . وكان وزير الدفاع آنذاك دينس هيلي قد أخبر مجلس العموم البريطاني في أول أبريل : " إن الخليج منطقة ذات أهمية اقتصادية ليس لاقتصاد أوروبا فحسب بل لأمن العالم ككل ، ولذلك فإن من اللامسئولية أن نسحب قواتنا من تلك المنطقة " . وكرر وزير الخارجية ، جورج براون ذلك في مناقشة لمجلس العموم في 20 يونيو .
كان روبرتس يحمل هذه الرسالة في جولته بدول الخليج ، الكويت والبحرين وقطر ودول الساحل المتصالح في الأسبوعين الأولين من نوفمبر . بعد زيارته لطهران في تلك الفتة أعلن في المؤتمر الصحافي في 13 نوفمبر قائلا ً : " إن بريطانيا ستبقي في الخليج طالما استدعى الأمر للحفاظ على السلام والاستقلال ، وإن الدول على جانبي الخليج يفهمون هذه السياسة ويقدرونها " . كانت هذه السياسة هي المعلنة خلال الأسابيع التي تلت الانسحاب البريطاني من عدن ، ولم يكن هناك ما يشير إلى أنها ستتغير في المستقبل القريب .
ولكن يبدو أن الوضع الاقتصادي البريطاني يمر بأزمة حادة . فقد اتضح من الأرقام التي أعلنتها وزارة المالية خلال شهر نوفمبر أن هناك عجزا ً كبيرا ً في ميزان التجارة الخارجية ، تم على أثره تخفيض قيمة الجنيه من قيمة 2.8 دولار إلى 2.4 دولار . وخلال شهري نوفمبر وديسمبر كان الوزراء يتداولون فيما يمكن عمله خصوصا ً بعد استقالة وزير المالية ، جيمس كالاهان في نهاية نوفمبر وتولي روي جينكنز منصبه . والوزير الجديد أعلن أن على الحكومة أن توفر 850 مليون جنيه إذا ما أرادت إعادة التوازن لميزانيتها ، وكان البحث يدور في المجالات التي يمكن من خلالها توفير ذلك ، ومن بين المجالات تخفيض المصروفات العامة للدولة وزيادة الضرائب .

- إعلان الانسحاب :
وفي اجتماع لمجلس وزراء حكومة العمال البريطانية في 4 يناير 1968 تم الاتفاق على تخفيض النفقات البريطانية في الخارج وأن تتخلى بريطانيا ، على أساس ذلك ، عن التزاماتها العسكرية في الشرق الأقصى والمناطق الواقعة شرقي السويس ، وفي مقدمتها منطقة الخليج ، كما اتفق الوزراء على أن يكتمل سحب القوات البريطانية من هذه المناطق قبل الانتخابات العامة عام 1971 وحدد شهر مارس 1971 كحد أقصى للانسحاب ، لم تكن مهمة إطلاع شيوخ الإمارات في الخليج بقرار الانسحاب سهلة خصوصا ً أنهم قد حصلوا على تطمينات بريطانية بأن قرار الانسحاب من عدن لن يؤثر على الوضع العسكري البريطاني في الخليج ، وأوكلت مهمة نقل القرار البريطاني إلى المنطقة للمسؤول نفسه الذي ذهب إلى المنطقة في شهر نوفمبر ، وهو غورنوي روبرتس ، فالتقى بشاه إيران في 7 يناير ( 1968 ) وبحكام المنطقة في 9 يناير ثم بالملك فيصل بن عبد العزيز في العاشر منه ، وحاول التأكيد للجميع بأن المسألة المالية كانت السبب الرئيس لتخلي بريطانيا عن التزاماتها العسكرية في الخليج ، وحين ذكر المسؤول البريطاني تكلفة البقاء العسكري البريطاني في القواعد الخليجية هي بحدود 12 مليون جنيه إسترليني عرض الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ، حاكم أبو ظبي استعداده لتوفير ذلك المبلغ من المدخولات النفطية لبلاده بالتعاون مع بقية الإمارات ، وكرر الشيخ راشد بن سعيد المكتوم العرض نفسه بعد أسبوعين ، مؤكدا ً أن الإمارات الأربع المستفيدة بشكل أساسي من الوجود العسكري البريطاني ، وهي أبو ظبي ودبي وقطر والبحرين ، مستعدة للمشاركة في توفير تلك التكاليف . وتزامن مع زيارة غورونوي روبرتس للخليج زيارات بريطانية عديدة للدول المعنية بقرار الانسحاب ومنها الولايات المتحدة الأمريكية التي ذهب إليها جورج بزاون وأطلع الإدارة الأمريكية بالقرار البريطاني ، وكانت نتيجة تلك الزيارة تصاعد الشعور بضرورة تأجيل الانسحاب ، وحاول عدد من الوزراء إقناع الحكومة بتبديل القرار في 15 يناير ولكن كل ما حصلوا عليه من تنازلات من تأجيل الانسحاب إلى ديسمبر 1971 .
وفي 16 يناير 1968 أعلن رئيس الوزراء البريطاني هارولد ولسن في مجلس العموم عن تخفيض كبير من نفقات الحكومة . وكان الاجتماع قد دعي إليه قبل يوم واحد من الموعد المحدد له لهذا الغرض . وشملت التخفيضات النفقات العسكرية والمدنية . وكان يهدف من ورائها إلى توفير حوالي 325 مليون جنيه في 1968- 1969 و 441 مليون جنيه في 1969 – 1970 ولتحقيق ذلك طرحت الحكومة عددا ً من الإجراءات منها التعجيل بالانسحاب من شرق السويس وسحب كل القوات البريطانية من الشرق الأقصى ما عدا ( هونغ كونغ ) مع نهاية العام 1971 بدلا ً من منتصف السبعينات كما كان مخططا ً له سابقا ً ، ومن الخليج في الموعد نفسه كما يخفض عدد الطائرات في قبرص .
فكان للخبر آثاره النفسية على الرأي العام وعلى السياسيين الذين شعروا بأفول نجم الإمبراطورية البريطانية بشكل أوضح ، هذا في الوقت الذي وجهت فيه الاتهامات الكثيرة وخصوصا من حزب المحافظين لحزب العمال الحاكم بسبب ذلك القرار . وشهد التلفزيون البريطاني ووسائل الإعلام الأخرى نقاشات حادة حول الموضوع . ففي مقابلة تلفزيونية في أواخر شهر يناير ، قال دينيس هيلي بأنه لا يرغب بأن يكون " عبدا ً أبيض للشيوخ والعرب " ومضى ليقول أن من الخطأ الكبير أن نسمح لأنفسنا أن نكون مرتزقة لمن يحب أن تتواجد القوات البريطانية عنده ، واعتبر مثل هذه التصريحات إهانة لحكام الخليج الذين ضحوا كثيرا ً في خدمة بريطانيا وخصوصا ً باستمرارهم في إيداع أموالهم في المصارف البريطانية وتم تخفيض سعر الجنيه في خريف عام 1967 ، وبسبب ذلك فقد خسرت البحرين وحدها 2.5 مليون جنيه إسترليني .
ولعل قلق الحكومات الخليجية بسبب الانسحاب البريطاني كان يعود لخشيتهم من تخلي بريطانيا عن معاهدات الحماية التي عقدتها مع المنطقة منذ منتصف القرن التاسع عشر . وتطورت الاتفاقيات شيئا ً خلال العقود التالية فشملت تحديد صلاحيات الحكام ومنعتهم من إقامة أية علاقات مع أية دولة أخرى غير بريطانيا وانضمت حكومة الكويت لتكل المعاهدات عام 1899 ، وأصبحت محمية بريطانية بشكل كامل بعد اندلاع الحرب بين بريطانيا والدولة العثمانية عام 1914 ، وتوسعت الاتفاقات خلال العقدين الأولين من هذا القرن لتشمل تجارة السلاح والامتيازات النفطية والقضاء المتعلق بالرعايا البريطانيين وغيرهم من الأجانب . وشملت الاتفاقيات حماية البحرين بشكل كامل من أي اعتداء خارجي لكونها جزيرة وحدودها مع الجزيرة العربية التي كانت بريطانيا قد قررت في منتصف القرن الماضي عدم التعاطي مع شؤونها الداخلية .
على أثر قرار الانسحاب تكثفت الاتصالات بين حكام ومشيخات الخليج والحكومة البريطانية لتحديد العلاقات المستقبلية . وفي شهر فبراير 1968 اقترحت وزارة الخارجية البريطانية على المشايخ التوحد ضمن فيدرالية عامة شبيهة بفدرالية اتحاد الجنوب العربي التي لم يكتب لها النجاح ، وعلى أثر هذا القرار ، اجتمع حكام المشايخ السبع في الساحل المتصالح ( أبو ظبي ، عمان ، دبي ، الفجيرة ، رأس الخيمة ، الشارقة ، وأم القيوين ) بالإضافة إلى البحرين وقطر لمدة ثلاثة أيام في دبي في الفترة 25 – 27 فبراير واتفقوا على تكوين الاتحاد الفيدرالي للإمارات العربية ، وذلك بعد الاجتماع الثنائي الذي عقد بين دبي وأبو ظبي في نصف الشهر المذكور .
ابتداءً من 30 مارس . وضعت الاتفاقية ما يلي :
1- سيكون للاتحاد الفيدرالي مجلس أعلى يتكون من الحكام التسعة وستكون رئاسة المجلس سنويا ً بالتناوب .
2- ستكون قرارات المجلس بالإجماع وسوف يكون مسؤولا ً عن السياسات الخارجية والدفاعية والاقتصادية وسيقوم بوضع موازنة تساهم فيها كل الدول .
3- سيكون هناك مجلس فيدرالي للخبراء تكون قراراته نافذة بعد موافقة المجلس الأعلى عليها .
4- سيكون للمجس تمثيل دبلوماسي مشترك في الخارج .
وجاءت هذه الاتفاقية بعد إعلان كل من دبي وأبو ظبي عن تكوني فيدرالية بعلم واحد وسياسة خارجية موحدة ونظام دفاعي موحد ومواطنة واحدة .
وقد ووجه هذا الإعلان بهجوم سوفياتي عنيف ، فأصدرت وكالة تاس في 3 مارس تصريحا ً عبر عن معارضة الحكومة السوفيتية لما أسمته " التحالف العسكري في الخليج الفارسي تحت رعاية بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية على أثر قرار بريطانيا سحب قواتها المسلحة من تلك المنطقة خلال السنوات القليلة القادمة " . واتهمت تاس بريطانيا وأمريكيا بالاستمرار في " الأهداف الاستعمارية المراد منها المحافظة على الاحتكارات النفطية الرأسمالية التي كانت تمتص آلاف وملايين الدولارات كأرباح من السرقة المخجلة للثروة الطبيعية في منطقة الخليج الفارسي " ، واتهمت تاس بريطانيا وأمريكيا بالعمل على منع " حركة التحرر الوطنية " من النمو ، واتهمت الاستعماريين بوضع السم في العلاقات بين دول الخليج فيما بينها من أجل الإضرار بوحدة الدول العربية وتحريض إيران ضد العرب .
ورغم أن تكوين هذا الاتحاد كان مستعجلا ً وغير مدروس ، فقد أحدث قلقا ً لدى شاه إيران وخصوصا ً وأن تقارير صحافية في الغرب تحدثت عن احتمال تكوين حلف من دول المنطقة بمشاركة باكستان أو تركيا لسد الفراغ الذي سيخلفه الانسحاب البريطاني . فأعلن رئيس الوزراء الإيراني ، آنذاك أمين عباس هويدا في 27 يناير بأن إيران قادرة على حماية مصالحها في المنطقة لكونها دولة خليجية كبرى وأنها لن تسمح لأية دولة خارج المنطقة للتدخل في شؤونها وأن الانسحاب البريطاني من الباب الأمامي يجب أن لا يترتب عليه دخول أمريكا الخليج من الباب الآخر . وأعرب الاتحاد السوفياتي عن القلق نفسه في بيان نشرته وكالة الأنباء تاس في 3 مارس .
ولعل الغضب الإيراني مما حدث ، وخصوصا ً تكوين " اتحاد الإمارات العربية " ناتج عن العقدة الإيرانية تجاه البحرين حيث كان الشاه يعتبرها جزءا ً من إيران ، وحيث أن البحرين أصبحت جزء من الاتحاد المذكور فقد كان هناك سبب مباشر للقلق الإيراني ، وهكذا بقي موضع استقلال البحرين مجالا ً للنقاشات والتصريحات الكثيرة خلال عامي 68 – 69 .. فبريطانيا لم تشأ الخروج من الخليج إلا بعد استقرار موضوع البحرين ، في الوقت الذي لم ترغب الدخول في مواجهة مسلحة مع الإيرانيين . أما الشاه فلم يكن بوسعه توفير أدلة قانونية على الصعيد الدولي لإثبات تبعية البحرين لإيران ، كما لم يكن بإمكانه حسم المسألة عسكريا ً وذلك بالمواجهة المسلحة مع بريطانيا . وهكذا كان إعلان الانسحاب البريطاني في الخليج مناسبة لحسم الموضوع فاستمرت الاجتماعات بني عدد من الأطراف وفي مقدمتها الإيرانيون والبريطانيون وممثلون عن الأمم المتحدة . كما شاركت السعودية والكويت والبحرين في الاتصالات والمفاوضات حول مستقبل البحرين . وشهدت جنيف كثيرا ً من الاتصالات واللقاءات تمخض عنها تفاهم ضمني بين كافة الأطراف بإحالة موضوع البحرين للسكرتير العام للأمم المتحدة ، على أن يقوم الأخير بترتيب " بعثة تقصي " لتحديد الرغبات الحقيقية " لشعب البحرين حول مستقبل البلاد .
ومن أجل ذلك قام الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة بزيارة النجف الأشرف بالعراق عام 1970 والتقى بأية الله السيد محسن الحكيم الزعيم الشيعي ، وطلب منه حث شيعة البحرين التصويت لصالح استقلال البحرين ، ووعد باحترام حقوق الشيعة الدينية .
في هذه الأثناء كانت قطر وإمارات الساحل المتصالح تسعى لحسم موضوع الاتحاد الفيدرالي بعيدا ً عن مشاركة البحرين لعدة أسباب منها عدم الرغبة في الدخول في مهاترات مع الحكومة الإيرانية ، والخوف من احتمال احتلال البحرين موقعا ً متقدما ً في الاتحاد المزمع بسبب اقتصادها المتطور نسبيا ً وعدد سكانها الكبير مقارنة بالمشيخات الأخرى ومجتمعها العريق الثقف ، وساهمت الخلافات التاريخية بين القبائل الحاكم في منع تحقق الاتحاد الذي يضم البحرين في صفوفه . فآل ثاني ( حكام قطر ) وآل خليفة ليسوا على علاقات طيبة بسبب استمرار آل خليفة في ادعاء الحق في منطقة الزبارة التي حكموها قبل دخولهم البحرين واستمرار الخلاف على مناطق حدودية أخرى مثل جزر حوار .
ولم تقتصر الخلافات على البحرين وقطر ، فآل ثاني لهم خلافاتهم مع القبيلة الحاكمة في أبو ظبي ( آل نهيان ) لأكثر من مائة عام حول عدد من المسائل منها الخلاف حول خور العديد بين قطر والساحل المتصالح الذي تطالب السعودية أيضا ً بالسيادة عليه وبجزء كبير من أبو ظبي منذ عام 1935 ، ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية طالبت السعودية رسميا ً بذلك وطالبت بمنطقة واحة البريمي على الحدود مع عمان ، ورغم المعارضة البريطانية لتلك المطالب فإن السعودية ما تزال مستمرة في مطالبتها . والخلاف بين آل سعود وآل نهيان كان حجر عثرة بوجه قبول البحرين وقطر في الاتحاد لأنهما على علاقات حسنة مع آل سعود ولا يريدون لأنفسهم الوقوف إلى جانب أبو ظبي ضد السعودية .
وبالنسبة لآل خليفة فإن احتمال وقوف السعودية إلى جانبهم في وجه المطالبة الإيرانية بالبحرين يرجح كفة عدم الدخول في ما من شأنه تعكير صفو العلاقات بين آل خليفة وآل سعود . وآل ثاني يتمتعون بعلاقات حسنة مع آل سعود منذ أكثر من نصف قرن بسبب التقارب في المذهب حيث يجد المذهب الوهابي رواجا ً في صفوف العائلتين .

- استقلال البحرين :
في 5 يناير 1969 قال الشاه بأنه يرحب أن يقرر سكان البحرين البالغ عددهم 216 ألف إنسان مصيرهم ، ولكن إيران لا تريد أن تسلم الجزر إلى أية جهة بدون موافقتها ، ولا تريد أن " تغادر بريطانيا رسميا ً منها من الباب الأمامي ثم تتسلل إليها من الباب الخلفي " (2) . وفي 28 مارس 1970 أعلن الأمين العام للأمم المتحدة يوثانت بأنه وافق على " استعمال علاقاته الطيبة في المسألة التي تتعلق بوضع البحرين حسب طلب حكومة إيران وإقرار ذلك من قبل حكومة المملكة المتحدة " . وجاء في تصريح يوثانت ما يلي :
" منذ عدة أشهر ، كان لكل من الممثلين الدائمين لهاتين الدولتين نقاشات غير رسمية مع السكرتير العام حول إمكان استعمال علاقاته الطيبة من أجل حل الاختلافات بين حكوماتهم حول البحرين . وخلال هذه المناقشات أبلغ السكرتير العام كلا الممثلين عن استعداده للتجاوب بإيجابية مع أي طلب من حكومتيهما واستعمال إمكاناته الطيبة على أساس شروط مقبولة من الطرفين " .
وفي 9 مارس 1970 استلم السكرتير العام من الممثل الدائم لإيران رسالة تتضمن استعمال علاقاته الطيبة في هذه المسألة . فتحرك السكرتير العام للأمم المتحدة بسرعة خصوصا ً وأن البريطانيين لم يكونوا أقل حماسا ً لفكرة تعيين دبلوماسي إيطالي من العاملين في الأمم المتحدة ، وهو فيتو ليو وينسبير غيتشاردي لرئاسة البعثة . وقبل نهاية شهر مارس ذهبت البعثة إلى البحرين لاستمزاج الرأي العام في البحرين حول المسألة . وفي نهاي أبريل رفع غيتشاردي تقريره الذي كانت نتيجته أن أغلبية البحرانيين يرغبون في استقلال بلادهم . وأقر مجلس الأمن الدولي ما توصلت إليه بعثة وينسبير في 11 مايو 1970 .
وفي هذا المجال وصف الممثل البريطاني في مجلس اللورد كارادون الوضع العام على أثر قرار مجلس الأمن بقوله : " لقد تضافرت العوامل المطلوبة ، الشهامة الإيرانية ، حياد الأمم المتحدة ، عدالة التقييم الإيطالية والكرامة العربية واحترام النفس للوصول إلى القرار المذكور " .
وهكذا تم ترتيب الوضع بخصوص مسألة البحرين ، ولكن مشكلة الانسحاب البريطاني من الخليج كانت مرتبطة بعدد من العوامل ومنا الفراغ السياسي الذي سيخلفه الانسحاب . وهكذا كانت فكرة اتحاد الإمارات العربية المزمع إنشاؤه ليضم بالإضافة للمشيخات السبع التي تشكل الآن دولة الإمارات العربية كلا ً من البحرين وقطر ، وكما ذكرنا فقد كان الشاه غير راض عن فكرة الاتحاد لأنه يضم البحرين ومن جهة لأنه قد يكون مدخلا ً لدولة أجنبية للتدخل في شؤون الخليج . هذا في الوقت الذي كان الشاه يخشى فيه أن تغير بريطانيا موقفها من مسألة الانسحاب خصوصا ً وأن انتخابات عام 1970 قد تأتي بالمحافظين إلى الحكم ، وربما يلجأ هؤلاء لإعادة النظر في مسألة الانسحاب من الخليج أو تأجيله ، ولكن عندما أجريت الانتخابات وجاء المحافظون بزعامة أدوارد هيث إلى الحكم لم يحدث أي تغير في الموقف البريطاني من الانسحاب .
وفي يناير 1971 ذهب السيد وليام لوس إلى المنطقة لجس نبض الحكام في السعودية والبحرين ومشيخات الساحل المتصالح وقطر وعمان والكويت وطهران ، وليؤكد لهم بأن انسحاب القوات البريطانية سيتم في موعده المحدد وذلك في نهاية ذلك العام . وبعد رجوعه أخبر ويليام لوس البرلمان بنتائج زيارته وما رأي من اختلافات ومناوشات كلامية بين مشايخ الإمارات في الساحل المتصالح ، ولكن الخارجية البريطانية لم تعبأ بذلك وكانت مصممة على الانسحاب في الوقت المحدد .
في أول مارس 1971 أعلن ألان دوغلاس هيوم ، وزير الخارجية في البرلمان أن الاتفاقات والمعاهدات مع مشيخات الساحل المتصالح وقطر والبحرين سوف تنتهي في نهاية العام وسوف يكتمل انسحاب القوات البريطانية في الوقت نفسه ، هذا في الوقت الذي كان فيه الشاه مستمرا ً في مطالبته بالجزر الثلاث ، أبو موسى ( التي كانت وقتها تابعة للشارقة ) وطنب الصغرى وطنب الكبري ( اللتين كانتا تابعتين لرأس الخيمة ) في مقابل تنازله عن المطالبة بالبحرين ، وقد وافق البريطانيون ضمنا ً على ذلك الطلب وسمح للشاه باحتلال الجزر الثلاث في وقت لاحق .
الواضح أن مشايخ الخليج كانوا غاضبين من قرار الانسحاب البريطاني وهم يجدون أنفسهم واقعين تحت تهديدات قوتين إقليميتين إيران والسعودية . ومن هنا استمر هؤلاء الحكام على رأسهم الشيخ راشد والشيخ عيسى بن سلمان في طرح مؤاخذهم على قرار الانسحاب . فمثلاً قال الشيخ عيسى : " إن بريطانيا تحتاج إلى ونستون تشرتشل آخر ، فنحن نراها اليوم تطرد من كل مكان أو تغادر باختيارها لقد أصبحت بريطانيا اليوم ضعيفة في المواقع التي كانت فيها قوية من قبل ، إنكم تعلمون بأننا وكذلك كل شخص في الخليج نرحب ببقائها " . والشيخ زايد أكد هذا المعنى كثيرا ً خصوصا ً وأن السعودية كانت تطالب بأربعة أخماس أبو ظبي ثم تنازلت لتطالب بثلاثة أرباعها .
مع منتصف عام 1971 كانت الأوضاع في الخليج تتبلور شيئا فشيا ً بانتظار الانسحاب البريطاني ، وكان واضحا ً أن قطر والبحرين لن تدخلا اتحاد الإمارات المزمع إنشاءه . وفي 18 يوليو 1971 أعلن قيام الإمارات العربية المتحدة لتضم كلا ً من أبو ظبي وعجمان وأم القيوين والفجيرة ، وفي 14 أغسطس أعلنت البحرين استقلالها حيث ألغيت الاتفاقات مع بريطانيا في ذلك اليوم واستبدلت باتفاقية صداقة تستمر خمسة عشرة عاما ً . وفي أول سبتمبر أعلنت قطر استقلالها ووقعت اتفاقية مماثلة .
وفي نهاية سبتمبر أعلن الشاه " أن هذه الجزر ، أبو موسى وطنب الصغرى وطنب الكبرى ملك لنا ، إننا نحتاجها وسنحصل عليها ، وليس هناك قوة في الأرض تستطيع منعنا من ذلك " . هذا في الوقت الذي كانت فيه بريطانيا تستعد للانسحاب . وكان الرأي العام البريطاني إلى جانب الانسحاب ولا يهمه احتلال الجزر من قبل الشاه إذا كان ذلك سيسهل مهمة الانسحاب . وفي منتصف نوفمبر تم التوقيع على تفاهم مشترك بين الشاه والشيخ خالد بن محمد حاكم الشارقة يتم بمقتضاه إقامة مركز عسكري إيراني في أبو موسى مقابل قيام الشاه بدفع مبالغ مالية محدودة ، وفي 30 نوفمبر تم إنزال قوات إيرانية على جزر أبو موسى وطنب الصغرى والكبرى ، نجم عنه جرح عدد من الشرط الذين حاولوا مقاولة الإنزال ، ورغم وجود حاملة طائرات ومدمرة بريطانيتين في مياه الخليج إلا أنه لم تحدث أي مواجهة بين القوات البريطانية والإيرانيـــة .
أما رد فعل الدول العربية فقد كان محدودا ً ، فالعراق أعلن قطع علاقاته مع بريطانيا وإيران وطرد 60000 شخص اتهمهم بأصول إيرانية . وبعد ستة أشهر أمم ما تبقى من أسهم بريطانية في شركة نفط العراق . وقامت ليبيا بتأميم امتيازات شركة النفط البريطانية وأرصدتها في ليبيا .، وكان من ضحايا الإنزال الإيراني في الجزر الثلاث حاكم الشارقة ، الشيخ خالد بن محمد الذي قتل مع عدد من أتباعه في هجوم قام به صقر بن سلطان الذي كان حاكما ً على الإمارة قبله ، وكانت هذا قد أقصي من العراق قبل ستة أعوام بأمر من المقيم السياسي البريطاني لتشجيعه انفتاح إمارات الساحل المتصالح على الجامعة العربية . بعد العملية الإيرانية مولته الحكومة العراقي ودفعته مع عدد من أتباعه للتسلل للشارقة حيث قاموا بالهجوم على القصر وقطع رقاب الشيخ خالد وعدد من أتباعه . فهجمت عليهم وحدات كشافة عمان وقوة الدفاع التابعة لأبوظبي وتم اعتقالهم جميعا ً ، وعين سلطان بن محمد القاسمي حاكما ً .

أعلن الشيخ عيسى استقلال البحرين في 15 أغسطس ، 1971 وفي اليوم نفسه وقع اتفاقية مع بريطانيا بواسطة المقيم السياسي السير جفري آرثر لتحل محل اتفاقيات 1882 و 1892 اللتين كان لبريطانيا بموجبها مسؤولية الدفاع والعلاقات الخارجية . ولم يعلن نص الاتفاقية الجديد ولكن يعتقد أنها نصت في أحد بنودها على " التشاور في حال الحاجة " بين البحرين وبريطانيا . وبتوقيع الاتفاقية أصبح السير جفري آرثر سفير بريطانيا للبحرين وأصبحت المعمتدية السياسية السابقة سفارة لبريطانيا . وعندما كان الشيخ عيسى يعلن عن رغبة البحرين للدخول في عضوية الأمم المتحدة قال بأنه نتيجة الطريق المسدود الذي وصلت إليه المحاولات خلال الثلاث سنوات والنصف الماضية عن بدائل تضمن تطلعات شعبها ، وأعرب عن استعداد البحرين للانضمام للاتحاد إذا ما دعيت لذلك وإذا ما تحقق لها الاتحاد حكومة قائمة على أسس دستورية وطيدة (3) . بالتسهيلات التي أعطيت سابقا ً للقوات البريطانية التي سحبت من البحرين في نوفمبر ديسمبر 1971 .

فيما يلي قصيدة اللورد كارادون الممثل البريطاني في الأمم المتحدة التي ألقاها أمام مجلس الأمن في مايو 1970 على أثر استقلال البحرين :

أتهجوا مرة أخرى ، ابتهجوا
لقد تكلمنا بصوت واحد
لقد انتهت المسرحية ، فكونوا شاهدين
فالممثلون جاؤوا للانحناء ( أمام الشاهدين )
اشكروا الشاه أولا ً ، ما أسعد الشهامة الملكية
وحيوا يوثانت ثانية وهو الذي لا يتعب
في سبيل تنسيق رغباتنا
وبعده يستحق الإيطالي الإكبار
للعدالة الرومانية في هدفه
فقد اكتسبته استنتاجاته الشهرة
( ونحن فخورون لأن له اسما ً إنجليزيا ً)
وتقديرا ً منا نصرخ يعيش
المبعوث الخاص
فكل هذه الجهود لم تذهب هباء ً
لأن الناس أعربوا عن رغباتهم بوضوح
وطالبوا بالاستقلال
فتعالوا نردد مرة أخرى
بالتوفيق وبسرعة فائقة للبحرين

_________________

* الهوامش
1- أنظر كتاب Kelly .B.J.The Gulf And West . Arabia ,Nicolson .o Published By Widen field
2- المصدر السابق ص 454
3- انظر Keesings Contemporary Archives 1971 – 1972
.
( الفصل الثامن )

* الحركة الوطنية الديمقراطية في الستينات

- الأوضاع في مطلع الستينات :
شهدت مرحلة الستينات نشاطا ً سياسيا ً ملحوظا ً ليس في البحرين فحسب بل في أغلب بلدان العالم الثالث التي كانت واقعة تحت الاستعمار . ويعتبر هذا النشاط امتدادا ً للوعي السياسي التحرري الذي انطلق بعد الحرب العالمية الثانية وتصاعد منذ بداية النصف الثاني من هذا القرن . فإذا كانت الخمسينات قد شهدت انتصار ثورة مصر ( يوليو ) عام 1952 وانطلاق ثورة الجزائر عام 1954 والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وما صاحبه من تفاعل شعبي عربي مع مصر وأثر ذلك على مسيرة الحركة التحررية في العالم العربي . وسقوط الملكية في العراق عام 1958 . فإن مرحة الستينات شهدت هي الأخرى مظاهر جديدة من النضال السياسي الذي تمخضت عنه أحيانا ً انتصارات كبيرة . وكان على رأس هذه الإنجازات انتصار ثورة الجزائر عام 1962 على الاستعمار الفرنسي . وقد ترك هذا الانتصار آثارا ً كبيرة على معنويات الناس في العالم العربي قاطبة ، وفي البحرين على وجه الخصوص . فالشعب في هذه البلاد أعلن الإضراب العام عندما وصل خبر اختطاف قادة الثورة الجزائرية وعلى رأسهم أحمد بن بيلا في أكتوبر 1956 ، وكان يتابع أخبار انتصارات هذه الثورة أولا ً بأول باهتمام بالغ . ولكن المعنويات أصيبت بانتكاسات عديدة منها ضرب هيئة الاتحاد الوطني عام 1956 وتسفير ثلاثة من قيادييها إلى جزيرة سانت هيلانة وازدياد التدخل البريطاني في البلاد خصوصا ً بعد أن أنشئ القسم الخاص لملاحقة العناصر النشطة التي كان لها دور بارز في قضية الهيئة . كما استلم مقاليد الحكم في شهر أغسطس عام 1961 الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة ( الحاكم الحالي ) بعد وفاة والده بناء على " الخريطة " التي أقرت عام 1957 من قبل الحكومة البريطانية .
يضاف إلى ذلك بروز ظروف سياسية محلية وإقليمية ودولية خاصة ساهم بعضها إيجابا ً في حركة المعارضة السياسية البحرانية وبعضها سلبا ً . فالوعي التحرري الذي ساد المنطقة والذي استهدف تصفية الاستعمار كان ذا أثر جيد في تحرك الشعور الشعبي نحو النضال المستمر . أما الأجواء السائدة في العالم العربي فكانت معادية للإمبريالية الأمريكية والاستعمار البريطاني . كما أن اتساع رقعة التعليم في المنطقة واحتكاك الطلاب البحرانيين بالعالم الخارجي خلال دراستهم الجامعية . كل ذلك ساهم في تعميق الحس النضالي في الناس وحثهم على مواجهة الاستبدادي السلطوي . ولكن على المستوى الآخر كانت البلاد تشهد صراعات فكرية وأيديولوجية بين كافة التيارات السياسية . فقد نشأت الحركات اليسارية في مطلع الستينات ( وهناك من يقول أن بعضها كان قد ظهر إلى الوجود منذ العام 1955 كجبهة التحرير الوطني البحرانية ، الماركسية الاتجاه والتي يعتقد أن لحزب تودة الإيراني دورا ً في تأسيسها ) وحزب البعث العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب . هذه التيارات جميعا ً كان يجمعها الرغبة في مواجهة الوجود البريطاني في البلاد ووضع حد للحكم القبلي . ولكن كانت تفرقها الأطروحات السياسية . فشهدت مدارس البحرين صراعا ً أيديولوجيا ً مستمرا ً وشهدت الجامعات في العواصم العربية مثل بغداد ودمشق وبيروت والقاهرة والكويت صراعات أيديولوجية غير قليلة . وحتى هذا الوقت لم يكن التيار الإسلامي فاعلا ً كحركة سياسية وأيديولوجية ولم يدخل حلبة الصراع إلا من خلال مواقف علماء الدين المناهضة للاستعمار عموما ً. ولعل الصراعات الحزبية والفكرية المذكورة كانت من العوامل التي أدت إلى بروز التيار الإسلامي في البحرين في النصف الثاني من الستينات . ومع ذلك فقد بقيت المحافظة على القيم والأخلاق والمبادئ الإسلامية هي السمات العامة للناس .
وكما ذكرنا فإن شعب البحرين عريق التدين ، ويتميز عن معظم الشعوب العربية باهتمامه بالمناسبات الإسلامية الكثيرة بشكل منقطع النظير ، ولذلك كانت هناك أصالة فكرية . وهكذا نجد الحركة الوطنية في الخمسينات ملتزمة بالمقاييس العام للإسلام سواء على صعيد المطالب أم الدوافع . بل كان من قيادات الحركة بعض علماء الدين مثل السيد علي السيد إبراهيم ، ومن هنا كانت المعارضة شعبية بالمعنى الكامل لكلمة . ولئن كان الإخوان المسلمين قد وقفوا ضد الهيئة وساندوا الحكومة الخليفية إلا أنهم لم يستطيعوا تشكيل تيار قوي ، وبقوا معزولين خلال تلك الفترة لوقوفهم بوجه النضال الوطني (1) .
أما في حركة 65 فقد سعت الحركة اليسارية لتوجيه مسار الأحداث ، وحدث لغط شعبي حول الخطاب السياسي للحركة كما كان واضحا ً من خلال المنشورات السياسية التي كانت توزع في القرى والمدن على نطاق واسع . ومع ذلك فقد انطلق الشعب لمعارضة الحكومة من دون أن يتنازل عن مبادئه . فكان للمساجد دورها والمآتم دورها ولعلماء الدين دورهم . وبقيت المطالب توجه من خلال تجمعين أساسيين " جبهة القوى التقدمية " و " جبهة القوى القومية " .. الأول كان تحالفا ً أقيم بين الحركات السياسية في البداية ، والثاني استعمل بعد انفراط التحالف الأول .

- انتفاضة مارس 1965 :
كان عود الثقاب الذي أشعل الانتفاضة هو قرار شركة نفط البحرين تسريح مئات الموظفين البحرانيين من أعمالهم . جاء هذا القرار في 7 مارس 1965 ، فأعلن بقية العمال ( وعددهم حوالي 500 شخص ) في 9 مارس الإضراب العام احتجاجا ً على فصل زملائهم ثم أعلن الطلاب إضرابا ً عاما ً تضامنا ً مع موظفي شركة النفط ، وبدأ بذلك مسلسل من الإضرابات والمظاهرات استمر حوالي ثلاثة أشهر انتشر التوتر خلالها في البحرين ، وشهدت شوارع المدن والقرى من العنف ما لم تشهده خلال أية اضطرابات أخرى ، ويدرك الذين عاصروا الأحداث الحقيقية ما حدث ويحملون في ذاكرتهم صورا ً من التطورات اليومية على صعيد المواجهة بين الشعب والحكومة .
بدأ التوتر ، كما أشرنا ، في فصل الربيع حيث الجو اللطيف الهادئ والندى الرقيق الذي يغطي أوراق الأشجار المتفتحة الأوراق . هذا الندى كان يغطي أيضا ً المنشورات التي كانت توزع سرا ً في ليالي شهري مارس وإبريل ، يقول أحد الذين عاشوا الأحداث في تلك الفترة : " في الصباح الباكر عندما كنت أذهب لشراء الخبز من الخباز كنت أرفع المنشور من الأرض لأقرأه وأنا في طريقي ذهابا ً وإيابا ً ثم أخفيه في مكان آمن من البيت . وكنا نتبادل التجارب كل يوم حيث يحكي كل شاب عن المنشور الذي قرأه وأين أخفاه بعد ذلك كان القلق ينتاب الكثيرين مما سيحدث في البلاد ونحن نسمع أنباء نزول القوات البريطانية إلى الشوارع لمواجهة الطلاب وعمال شركة النفط . كما كانت قصص الملاحم وصور المواجهة تسيطر على أجواء اللقاءات كل يوم . وكان الشباب يكونون مجموعات صغيرة ليقوموا بأعمال يعتقدونها من صلب النضال ضد الاستعمار البريطاني والنظام الخليفي . وقد عايشنا كثيرا ً من تلك الأعمال ونحن صغار في السن " .
ويروي قصة من القصص اليومية آنذاك قائلا ً : " في أحد الأيام كان العمال يشتغلون في أحد البيوت عند مدخل قرية الدراز . وكانت سيارة " جيب " تأتي يوميا ً لنقل بعض عمال دائرة الكهرباء إلى الجفير وتقف على الشارع الرئيسي الذي يدخل القرية . قررت مجموعة من الشباب أن تحرق سيارة الجيب بعد قلبها . فأرسل الشباب شخصا ً ليقف على بعد ربع ميل من موقف السيارة ويراقب قدوم سيارات الشرطة من مراكز البديع ليطلق صفارة إنذار كي ينسحب الشباب من المكان قبل وصول الشرطة . ذهب الشاب إلى المكان المناسب لمهمته وتوجهت مجموعة مكونة من عشرة أشخاص تقريبا ً إلى موقف السيارة وقاموا بتدميرها بالحجارة ، وعندما كانوا يحاولون قلبها انطلقت صفارة الإنذار من زميلهم فهرعوا في لحظة واحدة واختفوا عن الأنظار . عندما وصلت سيارة الشرطة بادروا لاستجواب عمال البناء الذين كانوا بالقرب من موقف السيارة من أجل الحصول على معلوما تمكنهم من التعرف على الشباب ، ولكنهم لم يحصلوا أية معلومات منهم وأدعى العمال لأنهم لا يعرفون أيا ً منهم . وعندما يئس الشرطة من تعاون العمال توجهوا إلى موقف السيارة ، وقد أقبل شخصان لتوهما من داخل القرية يمران قريبا ً من السيارة ، فما كان من الشرطة إلا أن ألقت القبض عليهما وأودعوهما السجن ستة أشهر ( الشابان هما خليل إبراهيم يوسف كان عمره وقتها أربع وعشرون عاما ً و عبد الواحد عبد الشهيد كان عمره حوالي عشرين عاما ً ) .
وكان الجميع يتناقلون قصصا ً وروايات من هذا النوع . وكان الأولاد يقومون بأدوارهم في المواجهة حيث كان يزرعون الشوارع بالمسامير لتعطيل عجلات السيارات الذاهبة إلى العمل وسيارات الشرطة . ويقوم آخرون بوضع الأحجار وجذوع النخل في الشوارع لمنع حركة السير " .
هذا ما كان يحدث في كثير من القرى وخصوصا ً عندما يعلن عن مقتل شخص بنيران الشرطة كما حدث مرارا ً . هذا إلى جانب التوقف عن الذهاب إلى المدارس وكتابة الشعارات على الجدران في كل مكان ، وهذه الشعارات كانت موجهة بشكل أساسي ضد البريطانيين وشركة النفط وحكومة آل خليفة ، فالشعارات تكتب ليلا ً وتأتي الشرطة والمباحث ويرشونها بالألوان لإخفائها نهارا ً.
انطلق مسلسل العنف مع انطلاقة الإضرابات والتظاهرات . وكان واضحا ً أن هناك سياسية جديدة اتبعها الإنجليز بعد أن تعلموا من دروس حركة الهيئة شيئا ً كثيرا . وهذه السياسة تقوم على القمع العنيف لأية حركة معارضة لمنع تبلورها إلى مواجهة سياسية قوية قادرة على إسقاط النظام الخليفي الذي ترعاه بريطانيا . فبعد ثلاثة أيام من إضراب الطلاب ، بدا أن الأمر سيفلت من زمام السلطة وأن هناك احتقانا ً شعبيا ً واسعا ً قد يكون استمرار التظاهرات والإضرابات مجالا ً لانفجاره بشكل مروع ، خصوصا ً وأن المشاعر الشعبية تجاه ما حدث قبل تسعة أعوام ( عام 1956 ) ما تزال هائجة مغتاظة ، وأن الحكومة لم تقم بإصلاحات سياسية أو إدارية تذكر ، ولذلك جاء رد فعل السلطات عنيــفا ً .
في 14 مارس ، أي خلال الأسبوع الأولى من إضراب عمال شركة النفط ، كان العمال قد وضعوا حاجزا ً على الشارع العام المؤدي إلى مصفاة النفط ، مما أثار غضب الشرطة ، وفي الوقت نفسه كانت المظاهرات تعم شوارع مدينتي المنامة والمحرق وعددا ً من القرى . يوقل مراسل رويتر ( 14 مارس 1965 ) : " استمرت المناوشات . بين عدد الشرطة والعرب في المنامة ، وفي المحرق طافت جموع مكونة من آلاف الأشخاص الشوارع ترفع شعارات تدعو إلى الوحدة " .
وحسب تقرير رويتر فإن الشرطة أطلقت النار على المضربين وقتلت شخصين ، وحدثت مواجهات عنيفة في منطقة الجفير حيث تعيش أغلبية الأوروبيين ، ودمرت عددا ً من المنشئات .
وفي اليوم السابق ( 13 مارس ) حدثت اضطرابات ومواجهات عنيفة قتل فيها أحد المواطنين برصاص الشرطة وجرح عدد آخر . وفي مساء ذلك اليوم ، خرجت الجماهير غاضبة في الشوارع وحرقت سبع سيــارات .
وفي 14 مارس – كما ذكرنا – كان المضربون يحاولون منع الموظفين الأوروبيين من الذهاب إلى شركة النفط ، ونجم عن ذلك حدوث مصادمات عنيفة . فمثلا جرح أحد الموظفين الأوروبيين اسمه " ألبرت بريكون " من مقاطعة يور كشير عندما هاجم المتظاهرون الباص الذي كان ينقل الأوروبيين إلى مصنع التكرير . وتعرض عدد آخر من الموظفين البريطانيين لهجمات المتظاهرين الذين كانوا يتحركون بعداء للوجود البريطاني . كما هوجمت منازل بعض البريطانيين في صباح ذلك اليوم في منطقة الجفير ومنهم الكابتن " بتيت " .
وفي تصريح من الحكومة في ذلك اليوم اعترفت بحدوث التظاهرات ، وقالت إنها حدثت بالرغم من طلب الحاكم الشيخ عيسى بن سلمان ، ومن الناس عدم التظاهر ، وإنه لهذا السبب أعطيت الأوامر الصارمة لقوات الأمن بتفريق أي تجمع أو مظاهرة تخل بالأمن . وذكر الإعلان الحكومي المواطنين بأن التظاهرات العامة كانت قد منعت منذ الانتفاضة العام 1956 وأن هذا المنع ما يزال ساري المفعول . ومما كان يثير حق المواطنين أن الأوروبيين كانوا يعملون على سد الفراغ الذي يسببه الإضراب ، وذلك بالعمل ضعف ساعات الدوام .
وفي يوم 15 مارس ، استمرت الإضطرابات في المحرق ، بينما استمر الإضراب العام من قبل عمال شركة النفط ، وبلغ القتلى من المواطنين حتى ذلك اليوم أربعة بالإضافة إلى 27 جريحا ً و 43 معتقلا ً .
واستمرت إضرابات العمال أكثر من ثلاثة أسابيع ، واستمرت معه كذلك التظاهرات والمواجهات العنيفة . ففي 30 مارس أوردت وكالة رويتر أخبارها أن الشرطة استعملت القنابل المسيلة للدموع لتفريق المتظاهرين في مدرستين في المنامة . وسبق ذلك يومان شهدا حوادث عنف واسعة شبت على أثرها حرائق كبيرة .

- انتفاضة 1965 في الصحافة البريطانية :
نقلت الغارديان البريطانية عن وكالة BRITISH UNITED PRESS في عددها الصادر يوم الثلاثاء 23 مارس 1965 أن حكومة البحرين أعلنت أن على جميع أصحاب المتاجر فتح متاجرهم في اليوم التالي وإلا سوف تسحب سجلاتهم التجارية . كما سوف يقدمون إلى المحاكمة . وكان هناك إضراب عام مؤخرا ً بعد توقف العمل بشركة نفط البحرين التي حدثت فيها إضطرابات بسبب الاستغناء عن بعض العمال البحرانيين (2) . ونشرت في يوم الأربعاء 24 مارس مقالا ً من أحد مراسليها بعنوان :
" إن الإضراب العام الذي حصل في البحرين هو محاولة لإبراز القوة وذلك عندما أضرب العمال المسرحون من شركة النفط ( المملوكة أمريكيا ً) عن العمل احتجاجا ً على التسريحات الكبيرة . ويبدو أن التسريحات قد أشعلت موجة من الغضب الشعبي ضد الحكم الأوتوقراطي للشيخ عيسى الذي يبدو أنه غير قادر على السيطرة على الموقف . وتتصاعد المشاعر ضد بريطانيا لأنها تحمي النظام .
وتستمد الإضطرابات قوتها الأساسية من الطبقة العاملة التي تعاني من مشاكل اقتصادية إلى جانب المشاكل السياسية . ولذلك فهي اضطرابات تختلف عما حدث عام 1956 التي حرضت عليها عناصر برجوازية تسعى للمشاركة في الحكم . وليس من الواضح مدى الدعم الذي تحصل عليه كل من المنظمات الست التي تدعي أنها الحركات القيادية .

- مطالب المعارضة :
خلال الفترة الماضية كانت هناك محاولات لجر مشيخات الخليج إلى النهج السياسي العربي العام ، ولكن يعتقد أن الشيوعيين والبعثيين والناصريين يحظون بتأييد كبير في البلاد .
وتطالب حركة المعارضة بالحريات الأساسية السياسية وحرية تكوين النقابات العمالية . أما الحكومة فلم تفعل أكثر من تعيين لجنة للنظر في أسباب اعتقال عمال النفط . وقد رفضت المعارضة ذلك مطالبة بتكوين لجنة من الحكومة والعمال ومعظم أفرادها ينتخبون من بين العمال . وإذا لم يتنازل كل طرف عن موقفه فسوف يكون هناك امتحان لقوة الإرادة لكلا الجانبين ، وسوف تصبح بريطانيا داخلة في القضية بشكل أكبر . وقد استعملت القوات البريطانية المرابطة في البلاد لقمع الاضطرابات في حالة واحدة على الأقل " .
وفي مقال لها في 18 / 3 / 1965 ذكرت صحيفة " الديلي تلغراف " البريطانية " إن الإضرابات مستمرة لليوم الخامس على التوالي ، وإن قوات الأمن اعتقلت أعدادا ً أخرى من الناس ، وإن المتظاهرين في المحرق كانوا يطالبون بإطلاق سراح 60 شخصا ً في الأسبوع الســابــق " .
كما أشارت إلى " أن البريطانيين قلقون ويخشون أن تكون الإضطرابات محركة من الخارج طمعا ً في نفط الخليج الفارسي . وأكدت كذلك أن البريطانيين كانوا مستهدفين من قبل المتظاهرين " .
هذه التطورات الميدانية كان أساسها – كما أشرنا من قبل – إضراب عمال النفط احتجاجا ً على فصلف بضع مئات مهم من قبل إدارة الشركة ، ثم إعلان الطلاب تضامنهم مع الحركة العمالية وخروجهم في مظاهرات كبيرة طيلة الأسابيع الثلاثة التي أعقبت قرار العمال بدء إضرابهم في 9 مارس . ومن الطبيعي أن تسعى الجهات المعارضة السياسية إلى استغلال حالة التوتر العامة وتوجيه الأحداث نحو ما تهدف إليه . وحيث أن التنظيمات السياسية ذات الاتجاه اليساري كانت هي الأقوى في ذلك الوقت ، فقد التقت في بداية الأمر وطرحت نفسها ضمن جبهة موحدة سمتها " جبهة القوى التقدمية " ، وأصدرت هذه الجبهة بياناً في 15 آذار حددت فيه أهداف الحركة بالنقاط التالية (3) :
1- إيقاف الفصل التعسفي وإعادة المفصولين إلى وظائفهم .
2- الاعتراف للعمال بحق تكوين نقابات خاصة بهم .
3- رفع حالة الطوارئ التي تعيشها البحرين منذ عام 1956 والسماح بحرية الصحافة وحرية التجمع والكلام والتظاهر .
4- إطلاق سراح المسجونين السياسيين والسماح بعودة المنفيين وإيقاف الملاحقات والمطاردات .
5- فصل الموظفين البريطانيين والأجانب من جهاز الشرطة وتصفية جهاز القمع والتجسس والمباحث .
6- تشكيل لجنة للقيام بالنظر في شؤون العمال على أن يشترك ممثلون عن العمال يتم انتخابهم من قبلهم في اللجنة ، ويكون عمل اللجنة النظر في شؤون جميع العمال وليس عمال شركة النفط فقط .
7- تشكيل لجنة فيها العمال والطلاب للتحقيق في حوادث إطلاق النار التي أدت إلى قتل وجرح المتظاهرين في المحرق والمنامة والرفاع الشرقي وسترة ، وغيرها من المناطق الأخرى ومعاقبة المسؤولين عن هذه الحوادث .
وفي الوقت الذي وزع فيه هذا المنشور كانت البحرين في حالة من التوتر لم تشهد لها مثيلا ً منذ انتفاضة 1956 ، فإضراب عمال شركة النفط مستمر وطلاب المدارس لمي يتوقفوا عن التظاهرات وخطباء المساجد كانوا يحثون الناس على دعم المضربين . وحتى ذلك الوقت لم تطرح واجهة سياسية ، والجماهير لم تكن تتحرك بسبب المنشورات التي توزع في الشوارع ، وإنما كانت المشاعر الكامنة بالظلامة والقمع السلطوي هي التي تدفع الناس للمشاركة .
وقد وجدت جبهة القوى التقدمية الفرصة السانحة لطرح ما كانت تراه من أهداف سياسية ، وهي أهداف في معظمها تمثل استمرارا ً للأهداف التي طرحتا الهيئة قبل عشرة أعوام . ولكن الجبهة سرعان ما اختلفت على نفسها وأصبح الخلاف بين الفصائل السياسية المشاركة فيها مانعا ً من استمرار العمل في إطارها . فبعد عشرة أيام من توزيع منشور جبهة القوى التقدمية ، قدمت " جبهة القوى التقدمية " مذكرة إلى الحكومة ( 25 مارس ) طالبت فيها بما يلي (4) :
1- إنشاء مجلس تأسيسي يمثل فيه الشعب بكافة فئاته الوطنية من عمال وفلاحين وطلبة ومثقفين .
2- بدء مفاوضات مع قوات الاحتلال على أساس منح الاستقلال وإلغاء القواعد العسكرية .
3- إيجاد مناخ ديمقراطي تتوفر فيه حرية العمل النقابي والمهني والطلابي ، وإعطاء الحريات للصحافة لتعبر عن إرادة الشعب .
4- محاكمة كل العناصر التي وقفت وراء الأحداث الأخيرة وتعاونت مع الأسرة الحاكمة .
5- إطلاق سراح المعتقلين الذين زجوا في السجون منذ عام 1956 .
6- إعادة جميع العمال المسرحين إلى أعمالهم .

استمرت جبهة القوى القومية في إصدار البيانات والمنشورات وتحدثت مع الخارج ( الدول العربية الأخرى والمنظمات الدولية ) حول الأوضاع في البحرين ولكنها لم تكن المحرك الأساسي للأحداث . خصوصا ً وأن الاختلاف الداخلي بين الفصائل السياسية منه إبراز جبهة موحدة وبرنامج عام سياسي مشترك . ومع ذلك استمر إضراب عمال النفط والمظاهرات الطلابية عدة أسابيع ، فلم ينته إضراب عمال شركة النفط إلا في نهاية شهر مارس ، بينما استمرت المظاهرات الطلابية أسابيع عديدة وكانت مدارس المنامة والمحرق منطلقا ً لتلك المظاهرات ، واضطربت جداول الامتحانات النهائية لذلك العام بسبب استمرار المظاهرات .
ففي شهر يونيه ، حيث امتحانات نهاية العام خرج الطلاب من قاعات الامتحان في مدرسة السلمانية في مظاهرة صاخبة طافت شوارع المنامة قبل أن تفرقها الشرطة مما أدى إلى تأخير امتحانات بعض المواد . وتجدر الإشارة إلى أن امتحانات الصف السادس الابتدائي لجميع مدارس البحرين كانت تقام في يوم واحد في مدرسة واحدة أو مدرستين . فكان طلاب مدرسة البديع وابو صيبع وجدحفص مثلا ً يذهبون لتقديم الامتحانات في مدرسة السلمانية المذكورة . فما أن يدخل الطلاب قاعات الامتحان حتى ترتفع أصوات البعض وتقذف الحجارة على النوافذ ، فيخرج الطلاب للتظاهر ، حدثت هذه الظاهرة مرات عديدة خلال ذلك العام ، وفي العام الذي يليه 1966 بمناسبة الذكرى الأولى للانتفاضة .
وكما ذكرنا فقد صاحب المظاهرات أعمال عنف عديدة كحرق السيارات وضرب المصالح البريطانية مثل كري مكنزي ودار الاستعلامات البريطانية ومساكن الموظفين والجنود البريطانيين . وفي 30 مارس شكلت فرق فدائية تمكنت من القيام بعدة أعمال منها نسف أنابيب المياه المؤدية إلى القاعدة العسكرية البريطانية ، وتفجير مستودعات الأشغال العامة التابعة للسلطات البريطانية ، كما نسفت عددا ً من السيارات التابعة للقوات البريطانية أثناء قيامها بأعمال الدورية ، وجرت محاولة لنسف إذاعة البحرين ، وشاركت في الانتفاضة طالبات المدارس عدة مرات .
وأمام التظاهر الشعبي كانت السلطات البريطانية تتبع سياسة القمع الشديد للمظاهرات ، خصوصا ً وإن جهاز الشرطة الذي حظي باهتمام السلطات البريطانية أصبح كبيرا ً تحت إشراف الخبراء البريطانيين ( همرسلي بشكل خاص ) . واستعملت الشرطة ( والقوات البريطانية في أكثر من مرة ) لمواجهة الطلاب وعمال النفط . فدخلت الشرطة بخيولها مدرسة الثانوية في الأيام الأولى للمظاهرات وداست الخيول بحوافرها الطلاب وقتلت واحدا ً منهم وجرحت خمسة آخرين ، واعتقلت 21 . أما الاعتقالات فلم تتوقف ، بل استمرت طيلة الشهور الأربعة ( مارس – يونيه ) وألقي القبض على عدد كبير من الشباب الثائر بينما اضطر عدد آخر للهرب سرا ً من البلاد .
هذا في الوقت الذي كانت تمتلئ جدران القرى والمدن بالشعارات المعادية للبريطانيين وآل خليفة . وكان أكثرها يكتب باللون الأحمر في الليل ثم تأتي الشرطة صباحا ً لترشه باللون الأسود ، وكان هذا المنظر مألوفا ً في أزقة القرى وشوارعها . وأمام إصرار الشعب على مواجهة السلطة ، اضطرت السلطة لتكوين لجنة خاصة للنظر في مطالب الناس ، وشكلت اللجنة برئاسة خليفة بن سلمان آل خليفة – شقيق الحاكم – وعضوية كل من محمد بن مبارك الخليفة ، وعبد الله بن خالد الخليفة وصادق البحرانه وراشد الزياني ومحمود العلوي ويوسف فخرو ، ولكن هذه اللجنة لم تستطع إنجاز شيء يذكر ، واستمرت النداءات والبيانات والشعارات والتظاهرات رغم القمع والاعتقال .
ومع استمرار الاضرابات والتظاهرات اتجهت بعض الفصائل الشعبية لأساليب أخرى في المعارضة ، فتكونت مجموعات أخرى في القرى والمدن لمهمات متعددة منها كتابة الشعارات على الجدران بشكل يومي ، ومهاجمة المصالح الحكومية ، بما فيها سيارات النقل والمراكز الرسمية ، وهكذا شجع استمرار حالة التوتر على حدوث طرف جديد أدى إلى ممارسة العنف على أوسع نطاق ، خصوصا ً وأن السلطة بدأت مواجهتها مع الشعب مستخدمة العنف كخيار أول ، وهذا ما حدث في مدرسة المنامة الثانوية في الأسبوع الأول من الإضرابات والتظاهرات ، وبالقرب من مصفاة النفط عندما أقام المضربون حواجز لمنع العمال الأجانب من الذهاب إلى العمل . وكان رد فعل المتظاهرين في الأيام التي أعقبت ذلك هو القيام بحرق السيارات الحكومية وخصوصا ً سيارات الشرطة . فقد حرقت بعض السيارات يوم 16 مارس ( الديلي تلغراف 17 مارس ) وكذلك في فترات منقطعة بعد ذلك . وفي 23 مارس ذكر مراسل " الديلي تلغراف " في البحرين أن مجموعة فدائية فجرت خط أنبوب مياه يغذي مصفاة شركة النفط ، وذلك بوضع عبوة ناسفة على جانب الأنبوب .
وفي يوم الخميس 9 أبريل تمكنت مجموعة من الفدائيين من اقتحام أسوار موقف باصات شركة النفط وحرقت عدد من باصاتها . واعتبر الحادث أكبر عمل من أعمال العنف منذ اندلاع الإضطرابات قبل ذلك بشهر . كما اشتعلت الحرائق في عدد من المؤسسات البريطانية ومنها شركة كري مكنزي التي اعتبرت رمزا ً للوجود البريطاني الاقتصادي والإفسادي في البلاد ( ديلي تلغراف 18 مارس ) كما هوجمت سيارات الشحن التابعة لها ودمرت المشروبات الكحولية في مخازنها .

- زيارة الأمير فيليب :
في يوم الأربعاء 24 مارس كانت هناك زيارة رسمية للبحرين من قبل فيليب زوج ملكة بريطانيا ، عندما كان عائدا ً من باكستان ضمن جولة لعدد من بلدان جنوب شرق آسيا . وكان للجماهير موعد مع تلك الزيارة ، فخرجت الظاهرات قبل وصول الأمير البريطاني ، وأقام المتظاهرون سبعة حواجز من الحجارة وأعجاز النخيل على الشارع المؤدي إلى المطار والذي كان من المقرر أن يمر عليه موكب استقبال الأمير فيليب ، وقد أطلقت الشرطة النار على المتظاهرين وقتلت شخصا ً واحدا ً هو عبد الله حسن بونفور (5) . وعندها ثار المتظاهرون وقاموا بأعمال عنف عديدة ، فقذفوا السيارات الحكومية بالحجارة وقلبوا سيارة شحن تابعة لشركة كري مكنزي البريطانية وسحبوا منها ستة عشر صندوقا ً من الخمر وكسروها .
وكجزء من الاحتياطات الأمنية ، لم يمر موكب استقبال الأمير فيليب في الشارع المذكور ، بل ذهب الهيلكوبتر من القاعدة العسكرية بالمحرق إلى الجفير ، حيث القاعدة العسكرية ومحل إقامة المعتمد السياسي السير ويليام لوس الذي كان مع الشيخ عيسى في استقبال الأمير فيليب . وقد أشرف ضابط أيرلندي على الإجراءات الأمنية في المطار قبل وصول الأمير فيليب . فكان جميع الشرطة والجنود مسلحين بالبنادق ، وكان هناك رشاش موجه باتجاه البحر لمواجهة أي إنزال بحري ! . وعند وصوله قال فيليب " آمل أنني لم أقاطع حربا ً مشتعلة " ( 6) , وكان الشيخ عيسى يأمل في إقامة حفل عشاء كبير للأمير البريطاني في قصر القضيبية ولكنه عدل عن ذلك واكتفى بدعوته لعشاء خاص في قصر الرفاع حضره عدد أقل من الناس ( حوالي 80 شخصا ً ) .
وذكرت التقارير آنذاك أن طائرات الهيلكوبتر التابعة للأسطول البريطاني استعملت لتحديد موقع التظاهرات ، كما استعملت لإلقاء القنابل المسيلة للدموع على المتظاهرين ( ديلي تلغراف 18 مارس 1965 ) .
وكانت الحركات الوطنية تعتبر الوجود البريطاني بشكله الذي كان موجودا ً آنذاك عامل استفزاز مستمر . ففي عام 1965 كان هناك 25 مسؤولا ً بريطانيا ً من بين 65 مسؤولا ً عالي الرتبة في البحرين (7) .
وكانت الشرطة وقسم التحقيقات الجنائية قد أنشئت من عناصر مستوردة . ففي عام 1959 م . كان هناك من بين 739 شرطيا ً ، 202 بحرانيا ً و 127 يمنيا ً شماليا ً و 69 عراقيا ً و 61 عمانيا ً ومثلهم يمنيا ً جنوبيا ً ، كما كان هناك 17 ضابطا ً بريطانيا ً من 29 ضابطا ً . وكان على رأس قسم التحقيقات ثلاثة قبارصة يعرفون في البحرين بـ " بن ، بوب وجرين " وقد تقاعد الإثنان الأوليان بعد أن جرحا بقنبلة زرعت في سيارتهما عام 1966 .
وهكذا تميزت الانتفاضة الشعبية التي بدأها العمال بدرجة من العنف لم تكن موجودة من قبل ، فقد قتل ما بين 10 – 15 شخصا ً من أبناء الشعب حسب التقارير البريطانية ، وكانت ردود أفعال الناس تعكس مدى عمق الشعور بالنقمة تجاه السلطة التي استعملت القوة بأقسى صورها ، فحدثت أعمال عنف شعبية من قبيل حرق السيارات واستهدفت أماكن سكن البريطانيين واستعمال قنابل المولوتوف التي تصنع في البيوت ، كما حدثت تفجيرات عديدة كان من أكبرها انفجار كبير في مخازن الجمارك بميناء سلمان في 5 يونيه 1965 أدى على مقتل شخصين وجرح عدد آخر ، ولم يعرف سبب الانفجار ولا من كان وراءه :
وفي ما يلي أسماء بعض الذين استشهدوا في حوادث 1965 (8) :
جاسم خليل عبد الله
عبد النبي محمد سرحان
عبد الله سعيد سرحان ( 14 مارس )
عبد الله بونفور ( 24 مارس )
عبد الله الغانم ( 22 إبريل )
فيصل عباس القصاب ( 14 أبريل ) .

- الوضع السياسي المحلي والإقليمي والدولي بعد 65 :
جاءت انتفاضة 65 في وضع إقليمي ودولي متميز ، حيث الشعور التحرري في العالم الثالث على أشده ، فقد سقطت الإمامة في صناعء بفضل ثورة 26 سبتمبر 1962 واستقلت الجزائر عام 1962 وأعطى استقلالها دفعا ً للنضال الوطني ، وكان هناك طرح قومي قوي متأثر بأفكار الرئيس المصري جمال عبد الناصر ونهجه . وساهمت حركة التعليم في المنطقة في حدوث تفاعل ثقافي وسياسي بين الطلاب البحرانيين والطلاب العرب الآخرين في بيروت والقاهرة ودمشق وبغداد ، وانعكس هذا التأثر على حركة المعارضة في الداخل ، هذا في الوقت الذي انتشرت فيه وسائل الإعلان العربية المسموعة والمرئية والمقروءة مما أتاح فرصا ً واسعة للإطلاع على ما يحدث في البلدان الأخرى . وكان هناك الشيوعي الصيني الذي تأثر به عدد غير قليل من الشباب . فالثورة الثقافية التي قام بها ماوتسي تونغ انعكست على معنويات الشباب الذي انتمى للحركة الماركسية ، فتحرك ذلك الشباب وهو يستند إلى جدار قوي من الدعم المادي والمعنوي ، وكان لنضال تشي غيفارا ، الثائر البوليفي المشهور ، أثره أيضا ً في رفع معنويات اليساريين بشكل عام ، خصوصا ً أن البلدان العربية كان يحكمها المحسوبون على الرأسمالية والإمبريالية الغربية . وهناك ثورة أخرى حدثت عام 1964 في مستعمرة بريطانية هي زنجبار كان لها صدى واسع في المحميات البريطانية الأخرى ومنها البحرين ، وكانت هناك خشية بريطانية أن يحدث في البحرين ما حدث في زنجبار شرق أفريقيا . وفي هذا الصدد كتب كريسترفر جونسون مراسل جريدة الفايننشال تايمز (9) : " إن البريطانيين الذين يدرسون التاريخ المعاصر لشرق السويس يأملون أنه مهما حدث ، أن لا تسير الأوضاع في البحرين على ما سارت عليه الأوضاع في الجزيرة الفردوسية الأخرى زنجبار " . كما اندلعت الثورة في جنوب اليمن بقيادة الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل في 14 أكتوبر 1963 .
ولذلك لم يكن غريبا ً أن ينتفض الناس في البحرين ، أسوة بالشعوب الأخرى، فكانت النتيجة تحركا ً واسعا ً قوامه عمال شركة النفط ( وهي أكبر قطاع اقتصادي ) وطلاب المدارس الابتدائية والثانوية . ولكن مشكلة هذا التحرك أنه برغم ثوريته كان يعاني من أمور مهمة منها ما يلي :
1- إن الانتفاضة الشعبية حدثت بعفوية تامة ولم تكن هناك تنظيمات قوية حركت عمال شركة النفط الذين بدأوا إضرابهم بعد أن أعلنت الشركة برنامج للإستغناء عن عدد كبير من الموظفين ، وساد العمال شعور بأن سياسة الشركة سوف تؤدي إلى مزيد من الإقالات والاستغناء عن خدمات أبناء البحرين ولذلك جاءت حركتهم تعبيرا ً طبيعيا ً عن احتجاجهم على ما يحدث .
2- إذا كانت الحركات الوطنية قد تحركت مباشرة بعد انطلاق الانتفاضة فإنها فعلت ذلك كردة فعل آنية ولم تكن مخططة ، ولذلك جاءت بروح حزبية في معظم الأحيان ، وبدافع إثبات الذات أكثر من الرغبة في تحقيق بعض الإنجازات الوطنية . ومن هنا دب الخلاف بين فصائل المعارضة اليسارية بعد أيام قليلة من طرح مشروع " جبهة القوى التقدمية " وطرحت أسماء لواجهات أخرى كان في مقدمتها " جبهة القوى القومية " وكان مجال أنشطة الفصائل السياسية ( حزب البعث والناصريين والشيوعيين ) يرتكز في القطاع الطلابي وبشكل أقل في صفوف موظفي شركة النفط .
3- كان هناك خلط في الأهداف والاستراتيجية . فعمال النفط كانوا يتحركون بدافع المطالبة بحقوقهم وضمان عدم الاستغناء عن خدماتهم ، ولذلك استمروا في الإضراب أكثر من أسبوعين لعدم وجود تجاوب رسمي مع مطالبهم . وأعلن الطلاب مساندتهم لحركة العمال على هذا الأساس . ولكن الحركات السياسية حاولت توجيه الإضطرابات لطرح مشروع سياسي واسع وهذا أمر حسن ومقبول ولكنه لم يراع الظروف القائمة . ولم يلتفت إلى حقيقة أن الحركة إنما بدأها قطاع عمال يطالب بحقوقه من دون أن يكون على وعي بالمطالب السياسية الأخرى كالتمثيل البرلماني والإصلاحات الإدارية . وهذا الخلط في تقويم الموقف أدى في النهاية إلى حدوث تصدع في صفوف الحركة السياسية من جهة وإلى انتهاء إضراب عمال النفط ( وهو العامل الأهم في استمرار الانتفاضة ) من جهة أخرى بدون أن يتحقق أي مطلب من المطالب السياسية .
4- كان لأيديولوجية الحركة السياسية دورها في إضعاف الجبهة الوطني وخصوصا ً الماركسي منه على الصعيد الشعبي ، ولم يسع القائمون على الحركات السياسية بفصائلها المختلفة لوضع برنامج علاقات عامة لشرح حقيقة توجهات الحركة السياسية ومدى قربها وبعدها عن الإسلام . هذا على عكس ما حدث في حركة 1956 التي كان في صفوف قياداتها بعض علماء الدين ورؤساء المآتم والمساجد ، ولم يطرح من خلال برنامج الحركة ما يصطدم بالإسلام والعقيدة الإسلامية ، ولذلك مع مرور الوقت تضاءل الدعم الشعبي للحركة التي كانت قد انطلقت بقوة وكان من الممكن أن تؤدي إلى إنجازات حقيقية .

- استقدام أيان هندرسون :
إثر الانتفاضة العمالية في العام 1965 أصبح واضحا ً أن الوعي الشعبي أخذ في التصاعد وأن الحكومة المدعومة من البريطانيين بشكل مباشر لن تستطيع السيطرة على الوضع بعد انسحابهم منها . صحيح أن بريطانيا لم تعلن بعد عن عزمها على الانسحاب ، إلا إن المؤشرات كانت توحي بانكماش الإمبراطورية البريطانية خصوصا ً بعد انسحابها من الهند وجنوب شرق آسيا . وقتها كان الصراع في عدن على أشده ، الأمر الذي دفع إلى الاعتقاد بحتمية تغير الوضع في المنطقة برمتها .
وكانت حوادث 65 جرس إنذار بخطورة الوضع في البحرين خصوصا ً وأن الأمور لم تستقر على مدى الثلاثين عاما ً السابقة منذ عريضة البحارنه في ديسمبر 1935 التي كانت تطالب بإعطاء دور للشيعة في إدارة شؤون البلاد ، مرورا بحركة 1938 والتحركات الشعبية الواسعة في الخمسينات بقيادة الهيئة التنفيذية العليا . وكان على البريطانيين ، ممثلييْن بالمعتمد السياسي والمقيم السياسي الذي كان قد انتقل من بوشهر إلى البحرين أن يخططوا لمرحلة ما بعد رحيلهم من الخليج وهو أمر بات وشيكا ً في ضوء التراجعات التي شهدتها الإمبراطورية البريطانية . وكما مر في الفصول السابقة فقد كانت مسألة الأمن الداخلي قد شغلت عددا ً من المعتمدين السياسيين السابقين وخصوصا ً بعد قيام الحركة الشعبية في الخمسينات بقيادة الهيئة التنفيذية العليا ، وجاءت حوادث 65 لتكرس الشعور بضرورة إعادة تنظيم جهاز الأمن والشرطة لمواجهة التحديات المستقبلية للحركة الشعبية في البحرين . ومن هنا جاء قرار التركيز على إعادة تشكيل جهاز الأمن الداخلي والشرطة .
وهنا يبرز الضابط البريطاني أيان هندرسون ، ليصبح الرجل الأول في جهاز الأمن الخاص على مدى ثلاثين عاما ً اللاحقة من تاريخ البحرين . فقد استقدمته الإدارة البريطانية في البحرين وكلفته بمهمة إعادة تركيب جهاز الشرطة والأمن نظرا ً لتجربته في كنينا لفترة عشرين عاما ً على الأقل قبل استقدامه . وقد أثبت هندرسون قدراته في القمع من خلال مواجهته ثوار الماو ماو في تلك البلاد . وهناك عدد من الكتب حول تلك الحركة تتطرق إلى دور هندرسون في قمعها . وفي العام 1992 صدر كتاب " الماو ماو وكينيا " للمؤلف وونياباري أو . مالوبا Wunyabari O .Maloba (10) . وهو توثيق لحركة الماو ماو ، ويشرح دور هندرسون في فرض السياسة البريطانية في كينيا من خلال منع المواطنين السود من استرجاع أراضيهم التي أستولى عليها البيض بدعم بريطاني ابتداء ً من العام 1900 . في ذلك العام اكتمل بناء سكة حديد أوغندا ، وبدأ المستوطنون البيض في الاستيلاء على الأراضي لتثبيت الوجود البريطاني في شرق أفريقيا ومن ضنمها المنطقة التي أصبحت منذ 1920 تعرف باسم كينيا . وبسبب عدم توفر كل من كينيا وأوغندا على ثروات منجمية فقد أصبحت سكة الحديد غير قادرة على تحقيق أرباح ما لم يكن هناك تطوير للإنتاج الزراعي . ولذلك فقد شجع البريطانيون الذين كانت كينيا تحت حمايتهم الهنود الذين كانوا تحت هيمنتهم آنذاك على استعمار الأراضي . وكان لدى البريطانيون خيار آخر : هو تشجيع اليهود على الهجرة إلى كينيا وجاء ذلك بعد إصرار المستوطنين البيض على أن يكون المسيحيون هم رواد الحضارة إلى أفريقيا وليس اليهود .
كان الموقف العام يقتضي أن تتم السيطرة على الأفارقة وأن " يتم تأديبهم " . وفي السنوات اللاحقة استمر المستوطنون البيض في إثارة موضوع الحكم الذاتي بشكل أو بآخر ، وفرض أحكام حاسمة للتعامل مع الأفارقة ، وتشريع قوانين تساعد البيض على تملك الأراضي . وبذلك شحت الأراضي الصالحة للزراعة وأدى ذلك إلى سوء سوء استغلال ما هو متوفر منها بتكثيف استصلاحها ، الأمر الذي أدى إلى مشاكل زراعية واقتصادية كبيرة . وكانت مسألة تملك الأراضي واستصلاحها من القضايا التي دارت خلافات بشأنها في أفريقيا . وتطورت أطروحة الهوية الأفريقية في فترة ما قبل 1939 من خلال سلسلة من الاحتجاجات ضد السياسات الاستعمارية . ولذلك فقد كانت مطالبهم محدودة بالإصلاح في ظل النظام الاستعماري .
يطرح المؤلف مالوبا في الفصل الثالث تحت عنوان " سنوات الصدام " تطورات الأوضاع في كينيا حيث قامت السلطات الاستعمارية بقمع انتفاضة السود فيها . وهنا يبرز أيان هندرسون مرتبطا ً بذلك القمع . وقد كتب هندرسون نفسه كتابا ً حول مغامراته بعنوان " اصطياد الرجال في كينيا " (11) في العام 1958 عكس فيه الحوادث من وجهة نظره الشخصية . وفي العام 1950 عقد الاتحاد الأفريقي الكيني اجتماعا ً مع قادة النقابات العمالية وقرروا فرض أداء القسم بين الأعضاء الحكريين بين الجماعات ليصبح التنظيم منتشرا ً على أوسع نطاق . وهنا حاول هندرسون توظيف أكبر عدد من الأفارقة كمخبرين . واكتشف الاتحاد الأفريقي الكيني أحد الجواسيس بين أعضاء لجنته المركزية واسمه Mumgai.N.J وكان يعمل كسائق تاكسي ، وقال في اعترافاته بأنه منذ العام 1944 كان يساعد أيان هندرسون في مجال عمله في قسم التحقيقات الجنائية ويمده بالمعلومات حول قادة الاتحاد .
وأدت هذه الاعترافات إلى اعتقل مارخام سينغ ( أحد قادة الاتحاد ) ثم إبعاده . وأعطى هندرسون 100 شيلينغ لهذا المخبر لكي يستطيع أداء القسم الذي فرض1ته حركة الماو ماو . واستطاع هندرسون اعتقال 400 من الأفارقة عن طريق المخبرين .
وخلال العام 1952 استطاعت الحركة الوطنية الأفريقية تجميع كميات كبيرة من الذخيرة وتوجهت المجموعات الأولى من المقاتلين إلى جبال أبردير وجبل كينيا . وكان أحد المقاتلين المعروفين واروهيو ايتوتي المعروف أيضا ً باسم " جنرال تشاينا " ينطلق من جبل كينيا . وبعد العام 1953 كان هناك توسع ملموس في القسم الخاص تحت إدارة مسؤولي الاستخبارات البريطانية ، ساهمت علميات الاختراق والمضايقات في إضعاف المنتمين إلى الماو ماو . وكان هناك فرق التفتيش التي تتكون من مخبرين أفارقة ملثمين يستعرضون الثوار المعتقلين ويختارون من بينهم ناشطي الماو ماو ، إلا أن نقطة التحول لصالح بريطانيا كانت في يناير 1954 عندما اعتقل الجنرال تشاينا . فقد استجوبه أيان هندرسون لمدة 68 ساعة . وكان هندرسون قد ولد في كينيا ويتحدث لغة كيكويو بطلاقة ، واستطاع هندرسون الحصول على معلومات مهمة حول تنظيم الماو ماو ، وإقناع الجنرال تشاينا ( General China ) بترتيب محادثات بين الحكومة والمقاتلين الذين كانوا تحت سيطرته . ولكن هذه الخطوة فشلت في تحقيق الاستسلام الجماعي الذي كان هندرسون ينتظره . وخلال الهدنة التي استمرت ثلاثة شهور جمعت قوات هندرسون معلومات كثيرة عن الثوار واعتقلت ألفا ً من قوات الاحتياط التابعة للماو ماو في ثلاثة أيام فقط .
وبعد 1955 كان أكثر الطرق فاعلية ضد الماو ماو استعمال مقاتليها القدماء في الحرب ضد ما تبقى من قواتها وكان ذلك تحت قيادة هندرسون . فقد أرسل هؤلاء الغابات بدون رؤسائهم البيض وقاموا بقتل رفاقهم السابقين . وتم ذلك ضمن عملية مقايضة ألغيت بموجبها عقوبات الإعدام بحق المقاتلين في مقابل قيامهم بقتل رفاقهم . وقد تصاعدت خسائر الماو ماو في العام 1955 حيث كان هناك حوالي ألفي مقاتل ما يزالون نشطين في الجبال . وطبقت سياسة منع الماء عن الحركة بشدة ، وذلك بفرض حبس قطاعان الماشية في حظائرها في الليل ، ومنع الفلاحين من زراعة المحاصيل على بعد ثلاثة أميال من الغابة . وأدى النقص في الذخيرة وانعدام الطعام إلى تقليص قدرة المقاتلين الذين أصبحوا مطاردين في عمق الغابات . وبحلول العام 1956 أكدت القوات البريطانية أنها قتلت 11503 من مقاتلي الماو ماو وجرحت 1053 وأسرت 1550 في المواجهات واعتقلت 26625 بينما استسلم 2714 من المقاتلين . واستمر حوالي 500 مقاتل في مقاومتهم للبريطانيين مع ديدان كيماثي . وأعلن هندرسون أن الضغط على الفدائيين لني توقف حتى يعتقل كيماثي . وفي 21 أكتوبر 1956 ألقى هندرسون القبض على كيماثي وانتهت بذلك الحملة البريطانية .
وليس غريبا ً أن يبادر وزير الداخلية في كينيا التي حصلت على استقلالها في أكتوبر 1964 ، أوغينغا أودنيغا ، بالإعلان أن هندرسون وأربعة ضباط بريطانيين آخرين أصبحوا أشخاصا ً غير مرغوب فيهم وعليهم مغادرة كينيا خلال 48 ساعة . وهكذا خرج هندرسون من كينيا غير مشكور على ما قام به إلا من قبل الحكومة البريطانية الاستعمارية التي منحته ميداليتي " صليب الملك جورج " . وبعد طرده قضى تسعة أشهر في روديسيا التي كان يحكمها النظام العنصري بزعامة أيان سميث . وبعد ذلك استقدمته الحكومة البريطانية إلى البحرين في العام 1966 ليعيد تنظيم جهاز الأمن فيها في أعقاب الحركة الشعبية التي حدثت في العام 1965 . وقد استفاد هندرسون من تجربته في قمع حركة الماو ماو وأصبح يطبق أساليب التعذيب والاستجواب ضد أبناء البحرين . وما يزال موقعه محوريا ً حتى كتابه هذه السطور .
وقد شهدت حوادث العامين المنصرمين أهمية موقعه بالنسبة لحكومة آل خليفة التي أصبحت تعتمد في أمنها على خبرة الضابط البريطاني المخضرم . وقد عرف جهاز الأمن في البحرين الذين استلم قيادته هندرسون منذ العام 1966 أساليب قمعية شرسة وانتهاكات فظة لحقوق الإنسان على نطاق واسع . وما تزال شخصية هذا المرتزق تسترعي انتباه المراقبين الإعلاميين بسبب عدم ظهوره في العلن وإصراره على تطبيق تجربته الطويلة في قمع الماو ماو لخدمة حكومة آل خليفة في البحرين .

_______________

* الهوامش :
1- الحركة الإسلامية في البلاد العربية . عبد الله أبو عزة .
2- جريدة الغارديان البريطانية The Guardian الثلاثاء ، 23 مارس 1965 .
3- الحركة الوطنية في البحرين 1914 – 1971 إبراهيم خلف العبيدي .
4- المصدر السابق .
5- جريدة " الديلي تلغراف " 25 مارس 1965 .
6- From Aden To The Gulf , Personal Diaries 1956-1966 , By Margaret Luce , 1987
7- Arabia Without Sultans , Fred Falliday
8- البحرين ، مشكلات التغيير السياسي والاجتماع للدكتور محمد الرميحي 1976
9- الفايننشال تايمز The Financial Times 16 مارس 1965 .
10- Wunyabari O . Maloba , Mau Mau and Kenya , Indian University Press , 1996
11- Lan Henderson , Man Hunt in Kenya , doubleday ,1958
( الفصل السابع )

* الوضع في نهاية الخمسينات :

كان الوضع السياسي في البحرين حافلا ً الحركة السياسية خلال العام 1959 حيث الوعي ما يزال مستمرا ً برغم ضرب أعضاء حركة الهيئة التنفيذية ونفي قادتها إلى سانت هيلانة . وكان التحسس من الوجود البريطاني من جهة والفساد الإداري من جهة أخرى دوافع مستمرة للتحرك الشعبي خصوصا ً مع انتشار الاتجاهات السياسية المتعددة والصراع الفكري بين القوميين والبعثيين والشيوعيين في المنطقة العربية . هذا الجو السياسي دفع باتجاه المزيد من النشاط الذي كان أبرز أوجهه توزيع المنشورات وتنظيم المظاهرات التي كان منها ما يلي (1) :
- التحركات الشعبية :
1- في صباح الخميس 19 مارس 1959خرجت مظاهرة استمرت ساعة ونصف من المدرسة الثانوية اشترك فيها أكثر من 500 شخص حيث توجهت إلى عدد من المدارس الواقعة شمال المنامة ثم تفرقت . كانت المظاهرة بحياة جمال عبد الناصر وضد عبد الكريم قاسم الذي صعد إلى الحكم في العراق في انقلاب عسكري في يوليو 1958 ، وكانت المظاهرة سلمية ولم تسفر عن إصابات أو أضرار مادية أو بشرية .
2- في صباح الجمعة 20 مارس خرجت مظاهرة في مركز المنامة وجمل المتظاهرون رمزا ً للمقتولين في مدينة الموصل العراقية ، كما خرجت مظاهرة صغيرة أخرى عند الظهر .
3- في مساء الجمعة 20 مارس خرجت مظاهرة في المحرق شارك فيها أكثر من 300 من طلاب المدارس واستمرت ثلاث ساعات . كما خرجت مظاهرة أخرى في الساعة العاشرة مساءً استمرت نصف ساعة وشارك فيها أكثر من مائة شخص .
4- في صباح السبت 21 مارس خرج طلاب المدارس في المحرق في تظاهرة صغيرة اعتقل خلالها عشرة أشخاص .
5- خلال شهر ديسمبر 1958 وزع منشوران باسم " جبهة التحرير الوطني " لأول مرة هاجم أحدهما سياسة شركة النفط لإقالة العمال ( كانت الشركة قد أقالت 600 عامل حسب قول المنشور ) (2) .
6- في شهر يناير 1959 وزع منشور باسم شباب الطليعة التقدمية المناضل ( هكذا ترجمت عن الإنجليزية ) طالب بإعادة القادة المنفيين وهاجم عودة الحكومة للأساليب القديمة وعدم وفائها بإجراء الإصلاحات المطلوبة التي وعدت بها عام 1956 .
7- في شهر فبراير 1959 وزع منشور باسم " شباب البعث العربي " يهاجم قانون العمل متهما ً إياه بأنه " لا يحمي مصالح العمال ولكن يساعد الإمبرياليين وعملائهم على سرقة حقوق الناس " وهاجم مدير العمل الشيخ علي بن أحمد آل خليفة .
هذه المظاهرات والمنشورات تشير إلى استمرار حركة المعارضة علنا ً وسرا ً بالرغم من قمع الحركة الشعبية قبل أقل من ثلاث أعوام ونفي قادتها . وتشير كذلك إلى توسع قاعدة المعارضة وتعدد إيديولوجياتها . فإذا كانت المظاهرات الطلابية الفعالة تحدث في كثير من الأحيان بعفوية وبدون سابق تخطيط فإن المنشورات التي توزع سرا ً تعكس وجود تنظيمات تعمل في الخفاء وتخطط لأعمال سياسية . وتجدر الإشارة هنا إلى المنشور الموقع باسم " جبهة التحرير الوطني البحرانية " ، ولعلها المرة الأولى التي يصدر فيها منشور موقع بهذا الاسم . وجبهة التحرير هذه منظمة سرية كانت تنتهج النهج الشيوعي وتحسب على خط الاتحاد السوفياتي . ويقول أعضاؤها أنها أسست عام 1955 ، وقد أصدرت منشورا ً في فبراير 1992 مشتركا ً مع الجبهة الشعبية في البحرين بمناسبة الذكرى الـ 37 لتأسيسها . أما الجبهة الشعبية فكانت منظمة سرية ماوية محسوبة على الحزب الشيوعي الصيني . ويقول أعضاء المنظمتين أنهما أصحتا تنتهجان نهجا ً ديمقراطيا ً وطنيا ً . وكانت الستينات والسبعينات فترة نشاط المنظمتين الذهبية وساهمتا في عدد من المظاهرات والإضرابات وخصوصا عام 1965 م .
وأما جبهة التحرير الوطني البحرانية ، وهي أقدم المنظمتين تأسيسا ً ، فيصفها كريم مروة في تقديمه لكتاب " قضايا التحرير والديمقراطية في البحرين والخليج " للكاتب سيف بن علي بأنها " أول تنظيم ماركسي لينيني ، وأول حزب للطبقة العاملة في البحرين وفي منطقة الخليج بأسرها " . ويذكر في تقديمه ذلك بأن الجبهة تأسست عام 1955 .
ويذكر سيف بن علي في كتابه المذكور الأهداف التي وردت في البرنامج الوطني لجبهة التحرير الوطني البحرانية الصادر عام 1962 ، وهي كالتالي :
1- تناضل من أجل البحرين دولة ديمقراطية ذات سيادة مستقلة استقلالا ً حقيقيا ً وذلك بإلغاء الحماية الاستعمارية ومعاهداتها الاسترقاقية غير المتكافئة وذيولها المفروضة على شعبنا .
2- تصفية قواعد الحرب العسكرية العدوانية البريطانية والأمريكية وجلاء القوات الأجنبية عن بلادنا .
3- تناضل الجبهة لأجل إيجاد حكومة وطنية ديمقراطية تعمل لمصلحة الشعب البحريني وتطهر جهاز الإدارة الاستعمارية من الإداريين الإنجليز وأعوانهم وتقيم نظام إدارة وطني ديمقراطي وبإقامة مؤسسات ديمقراطية يكفل الحريات الديمقراطية لمجموع الشعب البحريني ، برلمان ، ومجالس إدارة ، وبلدية ينتخبها الشعب وتمثله حقا ً وتضع دستور بحريني يقوم على أساس ديمقراطي يأخذ بعين الاعتبار الظروف الموضوعية لوطننا .
4- تنمية اقتصادنا الوطني بإقامة صناعة لاستثمار مواردنا وثرواتنا الطبيعية لغرض سعادة ورفاه شعبنا وإقامة نظام ضرائبي يحمي الصناعة الوطنية وتخفيف الضرائب غير المباشرة عن كاهل الشعب وإعفاء الحرفيين وذوي الدخل الصغير من رسوم البلدية والسجل العقاري .
5- تطوير الإنتاج الزراعي ومحاربة العوامل التي تؤخر تطور الزراعة وذلك بإقامة إصلاح زراعي يكفل المصالح الحقيقية للفلاحين البحرينيين وتخليص شعبنا من الإقطاعية وذلك بإرجاع أراضي الفلاحين الصغار المنهوبة من قبل أعوان الاستعمار والمحافظة على حقوق التعبة والمناصفة وإيقاف نهب الأراضي من قبل الشيوخ وأعوانهم ، ومن أجل توزيع الأراضي والزراعية والقابلة للزراعة على الفلاحين البحرينيين مباشرة وبدون بدل ، ومن أجل مساعدة الفلاحين وتخليصهم من نهب الشيوخ والوكلاء بمنحهم القروض الحكومية من نقدية وبذور ومكائن زراعية .
6- تخليص شعبنا من شركات الاحتكار الأجنبية وبنوكها وضد سيطرتها الاحتكارية على تجارتنا الخارجية ، وحل مشكلة التموين ، بالضرب على أيدي المضاربين والمحتكرين لقوت الشعب ، وتمكين الشعب من شراء قوته بأثمان تناسب دخله .
7- الدفاع عن مصالح العمال الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والصحية والثقافية وفي سبيل تنظيم نقابي ومن أجل إلغاء قانون العمل الحالي وسن قوانين تحمي مصالحهم ومن أجل ضمان اجتماعي يقيهم عوز المرض والبطالة والشيخوخة وتناضل الجبهة ضد تعسف الشركات وأصحاب الأعمال وضد تعسف السلطات .
8- تطوير التعليم ورفع مستواه وإقامته على أسس وطنية تستلهم تراث الشعب البحريني ولكلا الجنسين وبدون تمييز، وتناضل من أجل ترقية الحياة الاجتماعية والرياضية عند الشعب .
9- إنشاء جيش وطني للدفاع عن مكتسبات الشعب .
10- رفع مستوى الشعب الصحي وذلك بتأمين خدمات صحية لكافة أفراد الشعب وتطهير الوطن من الأمراض المتوطنة .
11- مساواة المرأة البحرينية بالرجل ، في كافة الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية .
12- إيجاد مساواة حقيقية في الحقوق لجميع المواطنين .
13- النضال تحت الراية المشتركة لحركة التحرر العربي من أجل تحرير جميع الأقطار العربية التي ترزح تحت نير الاستعمار سواء في الخليج أو الجنوب ومن أجل استقلالها وسيادتها وحريتها الديمقراطية ومن أجل انتصارات جديدة لحركة التحرر العربي ضد الاستعمار وحليفته الصهيونية وضد الاعتداءات والمؤامرات الاستعمارية وضد تثبيت مواقع الاستعمار سواء عن طريق الكتل الحربية العدوانية والضغط الاقتصادي .
14- تقوية التضامن بين الشعوب العربية وبين المنظمات الشعبية للعمال والطلاب والمثقفين في البلاد العربية ومن أجل تقوية التنظيمات الشعبية وتوحيد جهودها من أجل رفع مستوى الشعب الاقتصادي والاجتماعي والصحي والثقافي وضد المفاهيم والدعايات الاستعمارية المغرضة وضد أساليب الحكم الاستبدادية اللاديمقراطية .
15- التعاون الاقتصادي بين الأقطار العربية من أجل المحافظة على ثروات بلادنا وتنميتها واستخدامها لرفع مستوى البلاد العربية الصناعي والزراعي .
وقاطعت الجبهة انتخابات المجلس التأسيسي التي عقدت في ديسمبر 72 وتبنت أحداث يومي 12 و 13 مارس 1972 التي قام بها الطلاب والعمال .
كما يؤكد سيف بن علي بأن الحركة اليسارية ولدت في منتصف الخمسينات فيقول في كتابه ( ص 46) : " لقد ولدت المنظمات الوطنية والتقدمية في أثناء وأعقاب حركة 1954 – 1956 مباشرة وطوال هذه السنين تمرست هذه المنظمات في النضال ضد الهيمنة الاستعمراية وأجهزتها القمعية . وبرز دور المنظمات بشكل واضح وجلي في انتفاضة مارس 1965 .

- الأمن الداخلي في البحرين :
في العامل 1959 وضعت لجنة التنسيق العسكري ( الخليج الفارسي ) خطة للأمن الداخلي في البحرين تهدف لتطويق أية اضطرابات شعبية تحدث في البلاد ، وقد وافقت اللجنة على الخطة المقترحة لتحل محل خطة سابقة وضعت في 13 فبراير 1956 ووزعت الخطة على عدد من المراكز المهمة في بريطانيا والبحرين مثل المعتمدية السياسية والمدير العام لبابكو والبحرية البريطانية ووزارة الخارجية (3) .
كانت الخطة مقسمة إلى عدة أقسام يتبعها شرح لبعض المصطلحات المستخدمة لتوضيح الخطة ، وهي كالتالي :
أولا ً: القوى المعادية :
من المحتمل أن تحدث اضطرابات من قبل القوى التالية :
1- تظاهرات سياسية : ضد العائلة الحاكمة أو النفوذ البريطاني أو كليهما ، أو اضطرابات قبلية بسبب موت الحاكم الحالي .
2- عداء ديني أو عرقي : مثلا ً بين الشيعة والسنة خلال محرم .
3- اضطرابات عمالية ، تظاهرات في بابكو .
4- انفجار المشاعر ضد الأوروبيين ، بسبب عمليات حربية محدودة في مناطق أخرى في الشرق الأوسط ، كما حدث بعد أحداث السويس 1956.
5- تخريب من قوى أجنبية ، تدخلات من المملكة العربية السعودية أو إيران ، أو مساعدات مالية وإعلامية من مصر قد تؤدي إلى ما هو مذكـور في (1) أعلاه .

ثانيا ً : القوى الصديقة :
1- الشرطة الحكومية :
أ- قوامها :
9 ضباط بريطانيين
14 ضابطا ً عربيا ً
18 مساعد ضابط تفتيش 691 شرطيا ً وضابط صف .
ب- لدى هذه القوة 12 سيارة مصفحة .

2- قوة الأمن التابعة لبابكو .
18 ضابط أمن بريطانيا ً و 172 حارسا ً رسميا ً ( بدون سلاح ) موزعين على ثلاث مجموعات تعمل ثلاثة أوقات ، في مصفاة النفط وميناء التصدير بسترة وعوالي وحقول النفط .

3- الأسطول الملكي .
في حال تواجد السفن البريطانية في الميناء ، هناك مجموعات إنزال يمكن استعمالها حسب الأحجام التالية :
أ- السفن الحربية
3 حاملات للبحارة ومركز قيادة و1 حاملة لرجال البحرية ومركز قيادة.
ب – فرقاطات :
1 حاملة بحارة ومركز قيادة ا حمالة رجال البحرية الملكية ( بقوة مخصصة ) .
4- الجيش
وإذا كانت هذه المجموعة بعيدة عن البحرين فإن بالإمكان استقدام مجموعة أخرى من عدن جوا ً .
5- القوة الجوية الملكية :
لحفظ الأمن في القاعدة الجوية البريطاني في المحرق فقط .
6- قوات الولايات المتحدة
أ – تستطيع لجنة التنسيق العسكري للخليج الفارسي النظر في امكان الاستفادة من المساعدات الأمريكية بحجة الحفاظ على سلامة المواطنين الأمريكيين .
ب – يمكن استعمال طائرات الهيلكوبتر من القاعدة الجوية الأمريكية في الظهران لإخلاء المصابين والعوائل .

ثالثا ً : المهمة والتنفيذ :
إذا طلبت لجنة التنسيق العسكري للخليج الفارسي مساعدة القوات البريطانية فسوف تقوم بإعادة النظام في البحرين .
أ- خطوط عامة .
1- ستنفذ خطة الأمن الداخلي على مراحل ( إذا سمح الوضع ) كما يلي :
مرحلة اليقظة : في حال حدوث اضطرابات قد تخرج ع ن سيطرة الشرطة الحكومية .
مرحلة العمل : عندما يخرج الوضع عن سيطرة السلطات المحلية ويطلب التدخل العسكري البريطاني .
مرحلة الاحتياط : تجتمع لجنة التنسيق العسكري لدراسة الوضع .
2- يقوم المعتمد السياسي في البحرين بتحذير الشركات الكبيرة وينصح عوائل البريطانيين والأمريكيين والدول الأعضاء في الكومنولث ورعايا الدول الصديقة الأخرى بالبقاء في البيوت خلال الفترة المحتملة للإضطرابات .
ب – مرحلة اليقظة :
1- توضع مفرزة الاقتحام للخليج الفارسي على أهبة الاستعداد وتخفض قترة الاستعداد للانتشار إلى ساعة واحدة .
2- يتم الاتصال بقمندان الشرطة لمعرفة النقاط المهددة .
3- يتم ترتيب وفحص وسائل الاتصالات اللاسلكية .
4- تخبر بابكو لجنة التنسيق العسكري من خلال المعتمد السياسي عن أي مشاكل أمنية تتوقع حدوثها خلال الاضطرابات المتوقعة .
ج- مرحلة العمل :
1- تأمر لجنة التنسيق العسكري القوات البريطانية لمساعدة السلطة المدنية .
2- تؤمر مفرزة الاقتحام بالتحرك لممارسة مهامها الأمنية في المحرق والمنامة ، وإذا احتاج الأمر ، سترة وذلك من أجل : حماية مصالح الرعايا البريطانيين ودول الكومنولث والدول الصديقة إعادة النظام والقانون في المدن والمناطق المحيطة .
3- تنتشر مفرزة الاقتحام للخليج الفارسي خلال عملية " امباوند " في البداية يكون حجمها محدودا ً بمجموعتين تكون مسؤولة عن إعادة النظام والقانون في المنامة والمحرق . ثم تصل مجموعة ثالثة جوا ً من كينيا أو عدن حالما تسمح ظروف النقل الجوي لذلك ، هذا في الوقت الذي تبقى حماية سترة وعوالي معتمدة على قوة أمن بابكو .
4- النقاط الأساسية والنقاط الثانوية المحددة .
1- إن أهم نقطتين هما الجسر بين المنامة والمحرق ومبنى المعتمدية . ويجب أن تحكم السيطرة على الجسر لمنع انقطاع الاتصال بين المطار وقوى الأمن في المحرق . ومنه الجموع في المنامة والمحرق من إسناد بعضها البعض . وستكون المعتمدية هدفا ً أكيدا ً لأية اضطربات ضد البريطانيين أو الأوروبيين .
2- بشكل عام ، من المحتمل أن تكون هناك مجموعة واحدة مسلحة بالبنادق لكل من المحرق والمنامة وسترة والمناطق المحيطة .
واختتمت الخطة الأمنية بشرح لبعض المصطلحات الواردة فيها وبعض التفصيلات المتخصصة . ووقعها اللواء أي . إج . تينكر " قائد الوقات البرية في الخليج الفارسي " .

________________

* الهوامش
1- ملف وزارة الخارجية FO 371/140080
2- ملف وزارة الخارجية البريطانية FO 371/140080
3- ملف وزارة الخارجية البريطانية FO/140182